ميرشايمر وخيارات إسرائيل لليوم التالي للحرب
31/5/2024
لا يرى ميرشايمر أي اختلاف في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين مهما كان الحزب الحاكم في إسرائيل. فبالرغم من الخلافات الحادة داخل المجتمع الإسرائيلي فيما يتعلق بالسياسة الداخلية، فإنه لا يرى أي فرق ملحوظ بينهم فيما يتعلق بالفلسطينيين، سواء كانوا إسرائيليين علمانيين أو متدينين، وسواء كانوا من أحزاب اليسار أو الوسط أو اليمين واليمين المتطرف، فهم جميعا متفقون على أن فلسطين التاريخية، من النهر إلى البحر (التي يسمونها إسرائيل الكبرى)، هي لهم. ولعل من المفارقة الساخرة أن مصطلح “من النهر إلى البحر” الذي تستخدمه إسرائيل كثيراً (وكان آخر ذلك تعقيب وزير الطاقة، إيلي كوهين، من حزب الليكود قبل أيام “من النهر إلى البحر ستكون دولة واحدة: دولة إسرائيل”) أصبح يشكل تهمة بمعاداة السامية عندما أطلقه طلبة الجامعات الأمريكية في مظاهراتهم المؤيدة للفلسطينيين مؤخراً
في محاضرته القيّمة في أستراليا قبل أسبوعين، يطرح ميرشايمر أربع خيارات أو سيناريوهات أمام الإسرائيليين لليوم التالي للحرب على غزة، بعضها ممكن نظرياً ولكنه غير محتمل عملياً، وبالتالي يمكن استثناؤه مباشرة، وبعضها محتمل ولكن تصحبه تعقيدات في التطبيق
الخيار الأول، كما يطرحه ميرشايمر، أن تصبح إسرائيل (الكبرى) دولة ديموقراطية ليبرالية، مع حقوق متساوية لجميع مواطنيها، بما في ذلك حق التصويت (أي، حل الدولة الواحدة). وهذا الخيار مستثنى فوراً ولن يقبل به الإسرائيليون مطلقا لأنه يعني نهاية الحلم الصهيوني، حيث ستتحوّل إسرائيل الكبرى إلى دولة فلسطينية خلال سنوات قليلة ولن تبقى دولة يهودية، خصوصا في ظل تباين معدلات النمو السكاني لصالح الفلسطينيين
الخيار الثاني، الممكن نظرياً وليس المحتمل عملياً، هو حل الدولتين، وهذا يعني دولة فلسطينية حرة مستقلة على حدود السادس من حزيران 1967. وحسب ميرشايمر، فإن هذا السيناريو لن يحدث أيضاً ولن يوافق عليه أي زعيم إسرائيلي، خصوصا بعد ما جرى في 7 أكتوبر، لأن حل الدولتين يعني دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة ولديها وسائل قتالية لتدافع عن نفسها والتي، في نظر الإسرائيليين، قد تتحول ضدها في المستقبل. وبالرغم من أن بايدن وبلينكن يتحدثان عن حل الدولتين بشكل ضبابي، فإن ميرشايمر يعتقد أن إسرائيل سوف ترفض هذا الحل حتى لو حاولت أمريكا تطبيع العلاقة بين إسرائيل والسعودية مقابل ذلك
الخيار الثالث هو دولة فصل عنصري (أبرتهايد)، وهو استمرار لما هو عليه الوضع منذ أكثر من خمسة وسبعين عاماً. ويستشهد ميرشايمر بثلاث منظمات حقوق إنسان دولية (هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية – أمنستي، ومركز بتسيلم الإسرائيلي) التي نشرت تقارير مفصّلة توضّح وتوثّق فيها أن إسرائيل هي دولة أبرتهايد، سواء مع مواطني الخط الأخضر أو مواطني الضفة الغربية وقطاع غزة. هذا الخيار يسبّب إشكالية كبيرة لإسرائيل التي تصوّر نفسها أمام العالم بأنها دولة ديموقراطية، وهي تخشى أن يحدث لها ما حدث لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، خصوصا بعد ما رآه العالم على شاشات التيلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي من فظائع ترتكبها القوات الإسرائيلية بحق الأطفال والنساء والمدنيين، وفي ظلّ استمرار المظاهرات ضد الممارسات والمجازر الإسرائيلية في شتى أنحاء العالم، وكذلك الاتهامات الصريحة والمتزايدة التي تصف إسرائيل بأنها دولة ذات نظام فصل عنصري قبيح
وهذا يقود إلى الخيار الرابع، وهو التطهير العرقي. حسب ميرشايمر، فإن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يتخلص فيها الإسرائيليون من البقاء دولة فصل عنصري (أبرتهايد) هي التطهير العرقي للسكان الفلسطينيين. فإذا تمكنت إسرائيل من طرد جميع الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية فسيكون بإمكانها حينئذ التحول إلى دولة ديموقراطية ليبرالية يهودية خالصة. كما أن هذا الخيار يحل لهم مشكلة حماس أيضا، فإذا استطاعت أن تطرد جميع الفلسطينيين من غزة، فأنها تحل مشكلة حماس تلقائياً. وبالتالي، حسب ميرشايمر، يعتبر هذا الخيار هو الأفضل بالنسبة لإسرائيل لأنه يخلّصها من عبء أن تصبح دولة فصل عنصري، وفي نفس الوقت يخلّصها من حماس
يعتقد ميرشايمر أن الإسرائيليين وجدوا، بعد 7 أكتوبر، أن الفرصة مواتيه لهم لممارسة التطهير العرقي في غزة، فشنّوا حرب إبادة في القطاع، وقتلوا أعداداً كبيرة من الفلسطينيين، ودمّروا البنية التحتية والمرافق الصحية والتعليمية والدينية والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية وغيرها بحجة الدفاع عن النفس. كان الهدف الذي أعلنته إسرائيل، وردّده العالم خلفها، أنها تريد أن تهزم حماس وتقضي عليها حتى لا يتكرر ما حدث في 7 أكتوبر وأنها تريد إعادة الأسرى الإسرائيليين المحتجزين عند حماس، ولكن الهدف الحقيقي الذي لم تتم مناقشته في وسائل الإعلام الغربية هو التطهير العرقي لغزة والذي، في رأي ميرشايمر، تحول إلى حرب إبادة حقيقية. وهذا هو السبب الحقيقي، في رأي ميرشايمر، وراء رفض نتانياهو وشركائه طرح خطة لما ستكون عليه غزة بعد انتهاء الحرب. ولكي يتم ذلك، يجب، أولاً، أن تقتل كمية كبيرة من الفلسطينيين الأبرياء مما يعطي حافزاً للبقية أن تهرب وتهاجر، وثانيا، أن تجعل المكان غير قابل للحياة، وكذلك تجويع الفلسطينيين وعدم السماح للمساعدات الغذائية أن تصل إليهم، وهو ما حاولت إسرائيل، وما زالت تحاول، فعله في غزة
ثم يخلص ميرشايمر في تحليله إلى تقييم الوضع الحالي، والذي يتلخّص في أن إسرائيل في ورطة عميقة. فهي لم تهزم حماس ولن تستطيع هزيمة حماس، ولم تتمكن من استعادة الأسرى، كما أن التطهير العرقي لم ينجح، وهي الآن غارقة في وحل غزة. وبالتالي فإنها ستعود إلى الخيار الثالث؛ أي أن إسرائيل ستعود لتكون دولة فصل عنصري، وهو الوضع الذي كانت عليه الأمور قبل عام 2005 عندما انسحب شارون من داخل قطاع غزة وحاصرها من خارج القطاع
تبدو الاستنتاجات التي عرضها ميرشايمر في محاضرته كئيبة ومحبطة، فهو لا يرى حلّاً معقولاً لهذه الحرب الدموية على غزة. بل على العكس، فهو يعتقد أن الوضع في قطاع غزة يتفاقم، وأن الإسرائيليين مستمرون بعملية إبادة للسكان في القطاع لأنهم لم يستطيعوا تهجير الفلسطينيين، وبالتالي فهم يقومون بزيادة عمليات القتل والتدمير وجعل الوضع في غزة غير قابل للحياة أكثر وأكثر حتى يجبروا سكان القطاع على الهجرة. وهو يرى أن الفلسطينيين سوف يستمرون في المقاومة، وسوف يكون هناك 7 أكتوبر آخر أو ما يشابهه في المستقبل
وأخيراً، لعل من بين الاستنتاجات المهمة التي عرضها ميرشايمر في محاضرته هي أن الذين تساورهم أوهام أو أحلام بأن إجراء انتخابات مبكرة في إسرائيل، أو أن سقوط نتانياهو أو حزب الليكود أو أحزاب اليمين المتطرف في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، يمكن أن يؤدي إلى سلام مع الفلسطينيين سوف يصابون بخيبة أمل كبيرة. فإسرائيل لن تتخلى عن أحلامها وخططها بطرد الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة مهما كان الحزب الحاكم في إسرائيل. كما أن الذين يراهنون على حل الدولتين قد يخسرون الرهان، فإسرائيل لن توافق على حل الدولتين مهما كانت الحكومة في إسرائيل لأنه يتعارض مع يتوافق عليه الإسرائيليون من أن إسرائيل الكبرى لهم، من النهر إلى البحر
