Today’s Thought

تدهور سعر صرف الدولار.. الخاسرون والرابحون

أحد الإفرازات السيئة لبروتوكول باريس أنه سمح باستخدام أكثر من عملة قانونية في الأراضي الفلسطينية، وترك إمكانية إدخال عملة فلسطينية (أو ترتيبات عملة بديلة مؤقتة) رهنا بموافقة إسرائيل. وقد أدى ذلك إلى تداول عملات مختلفة في السوق الفلسطيني أبرزها الشيقل الإسرائيلي والدينار الأردني والدولار الأمريكي، ما عرض الاقتصاد الفلسطيني إلى مخاطر متزايدة نتيجة التقلبات المستمرة في أسعار الصرف لهذه العملات. وخلال الأشهر العشر الأخيرة، فقد الدولار الأمريكي حوالي 12% من قيمته مقابل الشيقل الإسرائيلي. وهذه ليس المرة الأولى التي يتدهور فيها سعر صرف الدولار خلال السنوات الماضية، فقد انخفضت قيمته حوالي 14% خلال الفترة من أيار 2002 إلى تموز 2003، أي خلال أربعة عشر شهرا، وانخفضت حوالي 23% خلال الفترة من آب 2007 إلى أيار 2008، أي خلال تسعة أشهر. وما ينطبق على الدولار الأمريكي ينطبق على الدينار الأردني، حيث تم ربط الدينار الأردني بالدولار الأمريكي بسعر ثابت إثر أزمة المديونية في الأردن عام 1988، وبالتالي فإن فقدان الدولار جزءا من قيمته يعني فقدان الدينار الأردني جزءا مماثلا من قيمته أيضا

ماذا يعني ذلك بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني؟ إنه يعني، ببساطة، أن أي تغير في سعر صرف الدولار أو الدينار سوف يؤدي إلى إعادة توزيع للدخل الحقيقي للأفراد والمجموعات في فلسطين، أي أنه سيكون هناك خاسرون يتضررون من هذا التغير وهناك رابحون يستفيدون منه

من أبرز الخاسرين الذين يتضررون من انخفاض سعر الدولار الأشخاص الذين يحصلون على دخولهم بالدينار أو الدولار، فالقدرة الشرائية لهؤلاء الأشخاص تضعف نتيجة انخفاض قيمة الدولار. مثال على ذلك موظفو الجامعات وموظفو بعض الشركات الذين يقبضون رواتبهم بالدولار أو الدينار وأصحاب العقارات الذين يؤجرون عقاراتهم بالدينار أو الدولار. هؤلاء الأشخاص فقدوا حوالي 12 في المائة من دخلهم خلال الأشهر العشرة الماضية نتيجة انخفاض الدولار، بالإضافة إلى حوالي 3% نتيجة ارتفاع الأسعار (التضخم)، مما يعني أن دخلهم الحقيقي أو قدرتهم الشرائية انخفضت بأكثر من 15% خلال هذه الفترة.

من بين الذين يتضررون أيضا نتيجة انخفاض الدولار الأشخاص الذين يدخرون أموالهم بالدولار أو الدينار.  فعندما انخفضت قيمة الدينار الأردني إثر أزمة المديونية الأردنية عام 1988، فقد الفلسطينيون الذين كانت ودائعهم بالدينار الأردني أكثر من نصف مدخراتهم نتيجة لذلك. والأمر لا يختلف الآن كثيرا من حيث المبدأ، باستثناء أن الضرر يصيب المودعين بالدينار والدولار معا، داخل فلسطين وفي الخارج أيضا. وحسب تقرير سلطة النقد الفلسطينية، بلغت ودائع البنوك العاملة في فلسطين بالدولار والدينار حوالي 71% من إجمالي الودائع عام 2009، وليست هناك بيانات واضحة حول مدخرات الفلسطينيين بالدولار والدينار في الخارج. وقد تدهورت القوة الشرائية لهذه المدخرات نتيجة انخفاض سعر صرف الدولار

الدائنون بالدولار أو الدينار أيضا يخسرون جزءا من قيمة ديونهم نتيجة انخفاض سعر الصرف لهاتين العملتين. وينطبق ذلك على حاملي السندات (الحكومية والأهلية) التي تمثل أدوات دين على الجهات التي تقوم بإصدارها (مثل الحكومات والشركات الكبرى)

هناك آثار كثيرة أخرى قد تنجم عن تدهور قيمة الدولار على مستوى الاقتصاد الكلي، ولكن المجال هنا لا يتسع للخوض فيها بالتفصيل نظرا لضيق المساحة. من بين هذه الآثار انخفاض القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية في الخارج (باستثناء إسرائيل) نتيجة ارتفاع التكاليف التي تدفع معظمها بالشيقل المرتفع القيمة نسبيا، وانخفاض قيمة الأصول الموجودة في السوق المالي الفلسطيني (البورصة)، وزيادة مخاطر الاستثمار، وارتفاع أسعار الفائدة. وهذا كله ينعكس سلبا على الاستهلاك والاستثمار، وبالتالي على الإنتاج والتوظيف. كما قد ترتفع أسعار بعض السلع والخدمات التي يتم تسعيرها عادة بالدينار أو الدولار والتي لا يمكن استيرادها من الخارج (وبالذات الأراضي والعقارات وأجرة المساكن وبعض الخدمات)، مما يمكن أن يسهم في ارتفاع معدلات التضخم مستقبلا

بالمقابل، هناك من يستفيد من انخفاض قيمة الدولار (والدينار). من أبرز هؤلاء بالطبع الشركات التي تبيع منتجاتها بالشيقل وتدفع رواتب موظفيها بالدينار أو الدولار، مثل شركة جوال والاتصالات والوطنية وغيرها. كما يستفيد من ذلك المقترضون والمدينون والأشخاص الذين يقبضون رواتبهم بالشيقل ويدفعون أجرة بيوتهم أو أقساط أبنائهم الجامعية والمدرسية بالدولار أو الدينار. وربما تنخفض أسعار بعض السلع المستوردة من أمريكا (مثل السيارات)، ولكن السلع المستوردة من منطقة اليورو أو من إسرائيل لن تنخفض، وربما ترتفع نتيجة ارتفاع أسعار النفط (الذي يرتبط عكسيا بسعر الدولار). أما الأشخاص الذين يضعون مدخراتهم بعملات أخرى، مثل اليورو والشيقل، فهم أيضا لا يتأثرون بانخفاض سعر الدولار، وريما يستفيدون من ذلك

وماذا عن البنوك والحكومة؟ البنوك تكون عادة أكثر حذرا بحيث لا تأخذ مراكز لها بعملة معينة لكي تتجنب أخطار تقلب أسعار الصرف، وبالتالي تلجأ إلى معادلة مطلوباتها وموجوداتها بالعملات المختلفة. أما الحكومة، فإن معظم إيراداتها المحلية ونفقاتها هي بالشيقل، وكذلك الإيرادات التي تحصل عليها من المقاصة مع إسرائيل، وهذه لا تتأثر بانخفاض قيمة الدولار. ولكن جزءا كبيرا من المساعدات الخارجية للسلطة الوطنية يأتي بالدولار مما قد ينعكس سلبا على الموازنة العامة