مقالات حياة وسوق – النسخة الأصلية

هذه مجموعة مقالات كتبتها خلال فترة امتدت عاما ونيّف، وتم نشرها في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بين ربيع العام 2011 وصيف العام 2012. عكست هذه المقالات رأي شخصي في مجموعة من القضايا التي تهمّ الاقتصاد الفلسطيني، وخصوصا القضايا التي شغلت حيّزا واضحا على الساحة الفلسطينية. وأودّ هنا أن أشكر الذين لم يبخلوا علي بتعليقاتهم وآرائهم أثناء كتابة هذه المقالات أو بعد نشرها، وأخصّ بالذكر زوجتي وأولادي وعدد كبير من زملائي وطلابي في الجامعة، بالإضافة إلى أصدقائي الكثر داخل الوطن وخارجه.

HS

نمو مستدام أم انتعاش محدود؟!

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏8‏/05‏/2011

تشير التقديرات الأولية التي نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي للأراضي الفلسطينية بالأسعار الثابتة خلال العام 2010 بنسبة 9.3%، بالإضافة إلى 7.4% عام 2009 و 6%عام 2008. هذه أخبار طيبة، ولكنها قد تكون مضلّلة لعدة أسباب.

أولا، ما تحقق ليس نموا مستداما وإنما مجرد تعافٍ محدود بعد تراجع كبير أصاب الاقتصاد الفلسطيني في أعقاب الانتفاضة الثانية. وهو يبدو مرتفعا نتيجة مقارنته بقاعدة متدنّية وصل إليها قبل العام 2007. وليس أدل على ذلك من أن معدل النمو في قطاع غزة خلال العام المنصرم، حسب نفس المصدر، وصل إلى 15.1% (مقارنة مع 7.6% في الضفة)، ليس لأن هناك ازدهارا في قطاع غزة، ولكن لأن الوضع الاقتصادي كان مأساويا قبل ذلك، وبالتالي فإن تخفيف القيود خلال العام الماضي أدّى إلى ارتفاع ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي. وفي الواقع، إذا نظرنا إلى سلسلة زمنية أطول، فإن مستويات المعيشة الآن أقل مما كانت عليه عام 1999، أي قبل اثنا عشر عاما، بحوالي 8.5%، وهي لا تزيد كثيرا عن مستوياتها عندما استلمت السلطة الوطنية مسؤولياتها عام 1994، أي قبل سبع عشرة سنة.

ثانيا، هذا النمو الكبير غير مستدام لأنه قائم بالدرجة الأولى على الإنفاق الحكومي المموّل من المساعدات الخارجية، والتي وصلت إلى حوالي 5.5 مليار دولار خلال الأعوام الثلاثة الماضية، مما سمح للسلطة الوطنية بتطبيق سياسات مالية توسعية نجم عنها هذا النمو الملحوظ. ولكن هذا الوضع غير قابل للاستمرار، كما أن الاعتماد المفرط على المساعدات الدولية له محاذيره التي لا تخفى على أحد.

ثالثا، لم يصاحب هذا النمو تحسن في مساهمة القطاعات الإنتاجية الرئيسية. فقد انخفضت مساهمة قطاع التعدين والصناعة التحويلية وإمدادات المياه والكهرباء في الناتج المحلي الإجمالي من 15.6% عام 2008 إلى 12.3% عام 2010، وظلت مساهمة قطاع الزراعة ضعيفة عند مستوى 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2010 مما يعني أن القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني ضعيفة وهشة، وأن النمو ظل محصورا، بصفة أساسية، في قطاع السلع غير القابلة للتبادل التجاري، وبالذات الخدمات.

رابعا، لا تزال مكونات الناتج المحلي الإجمالي تعكس تشوهات هيكلية. فالإنفاق الاستهلاكي الشخصي (للأسر المعيشية) يزيد على مجمل الناتج المحلي الإجمالي، والاستثمار (التكوين الرأسمالي الثابت) يتركز في المباني، أما الاستثمار في القطاعات الإنتاجية الرئيسية فلا يزيد عن 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الواقع فإن استثمار القطاع الخاص شبه غائب نتيجة الإجراءات الإسرائيلية والانقسام وعدم توفر الاستقرار السياسي والاقتصادي. أما الاستثمار الحكومي فهو ضعيف جدا نظرا لأن جزءا كبيرا من أموال المساعدات التي كان يمكن أن تستخدم في الاستثمار تم تحويلها إلى إعانات إغاثية ونفقات حكومية استهلاكية (رواتب وأجور وغيرها). وبالمقابل، فإن العجز في الميزان التجاري تجاوز 2.5 مليار دولار عام 2009، وكان معدل التبادل التجاري أقل من 25%، أي أن قيمة الصادرات الفلسطينية تمثل أقل من ربع قيمة الواردات. وهذا يعكس ضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الفلسطيني نتيجة العوائق الكثيرة التي تضعها إسرائيل أمام الصادرات الفلسطينية، إضافة إلى عدم سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية على المعابر وعدم وجود مطار أو ميناء للاتصال مع العالم الخارجي، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة.

خامسا، لم يصاحب هذا النمو المرتفع انخفاض ملموس في حجم البطالة. فبالرغم من انخفاض نسبة البطالة بنسبة طفيفة من 24.5% عام 2009 إلى 23.7% عام 2010، إلا أن عدد العاطلين عن العمل لم ينخفض. وفي الواقع، فإن انخفاض معدل البطالة نجم عن زيادة العاملين في إسرائيل، والذين وصل عددهم في الربع الأخير من عام 2010 إلى 79 ألف عامل، منهم 9 آلاف يعملون في المستوطنات، بالرغم من قرار الحكومة بحظر العمل في المستوطنات.

تؤكد هذه الملاحظات أن معدلات النمو المرتفعة التي تتم الإشادة بها هي جزء من دورة الأعمال، وهي تعكس انتعاشا قصير المدى وليس نموا مستداما. ومن الخطورة أن يتم تسويقها كإنجاز مبالغ فيه، والإيحاء بالتالي أن من الممكن تحقيق معدلات تنمية حقيقية في ظل الاحتلال. ولعل من الخطأ، والخطر أيضا، أن نستنتج بناء على ذلك أن من الممكن تحقيق سلام اقتصادي مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، أو أن من الممكن أن يكون السلام الاقتصادي بديلا للسلام الحقيقي الذي يقوم على أساس تحقيق تسوية سياسية عادلة، تعيد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

 ليس مقصودا في هذا التحليل التقليل من الإنجازات التي حققتها السلطة الوطنية الفلسطينية. وفي الواقع، هناك شهادات كثيرة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهم بأن السلطة الوطنية استطاعت أن تحقق أداء مميّزا في مجال بناء المؤسسات وإيصال الخدمات العامة إلى الشعب الفلسطيني، وأنها إذا حافظت على هذا الأداء، فسوف تكون في وضع جيد لتأسيس دولةٍ في أيّ وقت في المستقبل القريب. ولكن بناء مؤسسات جيدة ليس كاف لإقامة دولة، بل يجب أن يكون هناك اقتصاد قوي يحقق نموا مستداما. وفي ظل الإجراءات الإسرائيلية، ومحدودية الموارد، والانقسام، فإن النمو الذي تحقق ليس مستداما، وجهود السلطة الوطنية في هذا المجال لا تعدو إدارة أزمة وليس إدارة اقتصاد.

 

HS

قراءة متأنّية في أرقام البطالة

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏15‏/05‏/2011

البيانات التي نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني مؤخرا حول سوق العمل تظهر تحسنا طفيفا في معدل البطالة، حيث انخفض بأقل من واحد في المائة خلال العام 2010 ليصل إلى 23.7%. ولكن هذا المعدل يظل مرتفعا جدا بكافة المعايير. بل إن قراءة متأنية لأرقام البطالة تظهر أن حجم المشكلة أكبر بكثير مما يوحي به هذا المعدل. فعدد العاطلين عن العمل، في الواقع، لم ينخفض وظل حوالي 234 ألف شخص خلال الربع الأخير من العام 2010 (مقارنة مع حوالي 233 ألف شخص منتصف العام 2009). أما الانخفاض البسيط في “معدل” البطالة فيعود إلى عاملين، الأول انسحاب أعداد كبيرة من سوق العمل، والثاني زيادة العمالة في إسرائيل والمستوطنات. بالنسبة للعامل الأول، فقد زاد حجم السكان في سن العمل بحوالي 63 ألف شخص خلال العام 2010 بينما زاد حجم قوة العمل بحوالي 25 ألف شخص فقط، وهو ما أدى إلى انخفاض نسبة المشاركة في قوة العمل من 41.6% إلى 41.1% خلال تلك الفترة. أما بالنسبة للعامل الثاني، فقد زاد عدد العاملين في إسرائيل بحوالي ستة آلاف عامل خلال العام 2010، ليصل عددهم في الربع الأخير من ذلك العام إلى 79 ألف عامل، منهم تسعة آلاف شخص يعملون في المستوطنات (هل يتذكر أحد قرار منع العمل في المستوطنات!!!).

من ناحية أخرى، فإن معدل البطالة المذكور أعلاه يخفي أبعادا أكثر خطورة لأنه يعتمد على تعريف منظمة العمل الدولية للبطالة، والذي يستثني عددا كبيرا من الأشخاص الذين لا يعملون ولكنهم لم يبحثوا عن عمل خلال فترة المسح نتيجة اليأس الذي أصابهم بعد فشلهم في الحصول على عمل لفترة طويلة. وتشير بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني أن عدد هؤلاء العمال المحبَطين وصل إلى 86 ألف شخص عام 2010، ما يرفع عدد العاطلين عن العمل بالمفهوم الموسع للبطالة إلى 317 ألف شخص، ويرفع معدل البطالة إلى حوالي 30%. وإذا أضفنا إلى ذلك حجم العمالة المحدودة (الذين يعملون أقل من 35 ساعة أسبوعيا)، والذين وصل عددهم إلى حوالي 70 ألف شخص عام 2010، فإن المعدل الحقيقي للبطالة أعلى بكثير من الأرقام الرسمية التي يتم الإعلان عنها.

 ويمكن النظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، فحجم قوة العمل في فلسطين (حسب التعريف الموسع) بلغ 1.062 مليون شخص عام 2010، وعدد الذين يعملون في السوق المحلي بلغ حوالي 667 ألف (منهم حوالي 180 ألف في القطاع العام)، أي أن هناك فجوة تقارب 400 ألف عامل لم يستطع السوق المحلي أن يستوعبهم. أضف إلى ذلك نسبة غير معروفة من قوة العمل هاجرت لتعمل في الخارج نظرا لعدم وجود فرص عمل لها داخل فلسطين، ما يعني أن حجم فجوة الطلب على العمالة أكبر من الرقم المذكور. والذي يتابع بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني يلاحظ أن هذه الفجوة تزداد عاما بعد عام، ما يعكس عدم قدرة السوق المحلي على توفير فرص عمل للأشخاص الذين يدخلون إليه سنويا. وهذا يعني استمرار، وربما تفاقم، مشكلة البطالة والاعتماد بالتالي على تصدير العمالة إلى إسرائيل أو إلى دول الخليج وغيرها للتخلص من الفائض الكبير في الأيدي العاملة الفلسطينية. ولا شك أن التكلفة الاقتصادية (والسياسية والاجتماعية) لهذه المشكلة كبيرة جدا، وقد لا يستطيع اقتصاد صغير مثل الاقتصاد الفلسطيني تحملها لفترات طويلة.

إن معالجة مشكلة البطالة لا تكمن في تصدير العمالة، بل تتطلب خلق فرص عمل داخل الاقتصاد الفلسطيني لتقليل الاعتماد على إسرائيل في استيعاب العمالة الفلسطينية الفائضة، ومن أجل وقف نزيف هجرة الأدمغة الفلسطينية إلى الخليج وأوروبا وأمريكا. وهذا يتطلب تشجيع القطاع الخاص بالذات على خلق وظائف جديدة من خلال توفير الحوافز الملائمة والتشريعات اللازمة والبيئة المناسبة والمشجّعة للاستثمار الخاص، وليس تضخيم القطاع العام.

 ملاحظة أخيرة. فبالإضافة إلى ارتفاع حجم وتكلفة البطالة في الأراضي الفلسطينية بشكل عام، فإن أعباءها لا تتوزع بشكل متساو بين فئات المجتمع، فهي أكثر قسوة على صغار السن، حيث تظهر البيانات أن معدل العاطلين عن العمل (حسب تعريف منظمة العمل الدولية) يصل إلى أكثر من 40% لمن هم في سن 20-24 سنة، ومعظم هؤلاء من الخريجين الجدد الذين يبحثون عن فرص عمل لأول مرة. وهو أعلى في قطاع غزة، حيث يصل معدل البطالة إلى 38% مقارنة مع 17% في الضفة الغربية؛ وأعلى لدى الإناث حيث تصل النسبة إلى 27% مقارنة مع 23% للذكور. وترتفع هذه النسبة بشكل كبير لدى بعض الفئات في مناطق معينة. فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة البطالة خلال العام 2010 لمن هم في سن 15-24 سنة في قطاع غزة حوالي 63%، وللإناث في نفس السن والمنطقة حوالي 76%. وهذا يعني انعدام فرص العمل تقريبا في بعض المناطق لبعض فئات المجتمع، مما يرفع معدل الإعالة، ويزيد من مشكلة الفقر، ويضاعف من الضغوط على المساعدات الإغاثية التي تقدمها الدول المانحة. وبالتالي لا عجب أن نجد أن حوالي 71 بالمائة من سكان غزة يعتمدون على المعونات الدولية، حسب التقرير الأخير للبنك الدولي. المطلوب هو إعطاء اهتمام خاص لبعض الفئات المهمّشة في المجتمع الفلسطيني وبعض المناطق التي تعاني أكثر من غيرها من عبء البطالة، من خلال توفير مشاريع وخلق فرص عمل لتلك الفئات وفي تلك المناطق بالذات للاستغناء عن المعونات والمساهمة في الإنتاج المحلي الفلسطيني.

 

HS

أزمة الرواتب … القادمة

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏22‏/05‏/2011

وأخيرا، حوّلت إسرائيل عائدات الضرائب المستحقة إلى السلطة الوطنية، وأصبح بالإمكان دفع الرواتب لأكثر من 170 ألف موظف حكومي. والسؤال الآن، متى ستكون الأزمة القادمة؟

ليست هذه هي المرة الأولى التي تتوقف فيها إسرائيل عن تحويل المستحقات المالية السلطة الوطنية، فقد فعلت ذلك عام 1997، وفعلت ذلك عام 2000 إثر اندلاع الانتفاضة الثانية، ثم فعلت ذلك مرة أخرى عام 2006 في أعقاب فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية. وكنا “نتفاجأ” في كل مرة توقف فيها إسرائيل تحويل هذه المستحقات وكأنها غير متوقعة.

 بداية لا بد من التأكيد أن هذه الأموال هي أموال فلسطينية، تقوم إسرائيل بجبايتها نيابة عن السلطة الوطنية الفلسطينية بموجب بروتوكول باريس، وهي تحصل مقابل ذلك على عمولة تصل إلى 3%. وبالتالي فهي ليست منحة أو مساعدة إنسانية، ولا يمكن التسليم بالادعاءات الإسرائيلية التي تقول أن تجميدها هو حق تمارسه وأن الإفراج عنها هو “بادرة حسن نية” تتوقع مقابلها خطوات من الجانب الفلسطيني. بل يجب استخدام هذه القضية للتشهير بإسرائيل كدولة احتلال بشع تقوم على القرصنة والنهب، وأن نطالب الدول التي تستطيع ممارسة الضغط على إسرائيل بردعها لعدم تكرار هذه الممارسات. لا شك أن مثل هذه الضغوطات هي التي كانت وراء استئناف إسرائيل لتحويل الأموال هذه المرة وفي المرات السابقة أيضا، ولكن بعد أن أدى التأخير في تحويل تلك الأموال إلى مشاكل اقتصادية واجتماعية جسيمة. ومن شبه المؤكد أن تستمر إسرائيل في استخدام هذه العصا الثقيلة (التأخير في تحويل الأموال) لترويض الفلسطينيين وممارسة ضغوط عليهم لابتزازهم سياسيا، كما صرح وزير ماليتها مؤخرا. بل ربما يكون هناك وقف للمساعدات من بعض الدول المانحة، وقد سمعنا تهديدا من بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي بقطع المساعدات الأمريكية للسلطة حال تنفيذ اتفاق المصالحة الذي تم توقيعه بين فتح وحماس في القاهرة. وقد حدث مثل هذا الوقف للمساعدات في الماضي ويمكن أن يحدث في المستقبل. ولأنه لا يمكن أن يكون الدعم المالي للسلطة الوطنية هو ثمن المصالحة والوحدة الوطنية، فإن هذا يقودنا إلى السؤال الثاني، ماذا يجب أن نفعل إذا حدث مثل ذلك؟ وكيف نستعد لمثل هذا الأمر؟

في المرة الأخيرة تعالى صراخ الحكومة لدرجة أثارت الفزع في نفوس الكثيرين. ربما كان التهويل في رد الفعل هو جزء من التكتيك الذي تستخدمه الحكومة لتحفيز المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل، وربما كان التهويل تمرينا أوليا لتحذير المواطن الفلسطيني نفسه وتحضيره لما يمكن أن يحدث في المرات القادمة، ولكنه أيضا أثار موجة من الهلع في السوق الفلسطيني وتباينت الآراء والتصرفات حياله، ولكن من المؤكد أن تأثيره على الاستثمار في فلسطين سيكون سلبيا في المدى القصير والمدى المتوسط. فكيف سنطلب من المستثمرين وضع أموالهم في اقتصاد يمكن أن ينهار في بداية أزمة كهذه. أقول “في بداية أزمة” وليس بعد مرور أشهر وسنوات؟ ألم يكن ذلك متوقعا في ظل خبرتنا المتراكمة في ردود الفعل الإسرائيلية؟ فلماذا لم تكن السلطة الوطنية جاهزة لمثل هذا الاحتمال؟ وكيف ستتصرف في المرة القادمة عندما تتوقف إسرائيل عن تحويل أموال المقاصة؟ بل كيف ستتصرف إذا قاطعت أمريكا أو بعض الدول المانحة الحكومة الفلسطينية القادمة، كما حدث عامي 2006-2007؟

إن حجم المبالغ التي تحولها إسرائيل إلى السلطة الوطنية يصل إلى حوالي 100 مليون دولار شهريا، وهو يشكل حوالي ثلثي فاتورة الرواتب. ألم يكن بالإمكان اقتراض هذا المبلغ من البنوك التجارية العاملة في فلسطين؟ أم أنه لم يكن باستطاعة السلطة الوطنية أن تستدين من البنوك بعد أن بلغت قروض البنوك المحلية على السلطة الوطنية سقفا لا يمكن تجاوزه، وبلغت متأخرات القطاع الخاص حدّاً لا يمكن تحمّله من المقاولين والموردين في هذا القطاع الذين أضربوا مؤخرا أكثر من مرة للمطالبة بمستحقاتهم المتأخرة؟

حسنا فعل رئيس الحكومة بطمأنة العاملين في الحكومة والجهاز المصرفي والقطاع الخاص بأن السلطة الوطنية تعي مسؤولياتها وأنها ستفي بكامل التزاماتها. ولكن هذا لا يعفي أن تكون هناك خطة طوارئ واضحة ومدروسة يتم تطبيقها إذا تكررت هذه القرصنة، ويشترك فيها، بالإضافة إلى الحكومة، القطاع المصرفي، وبالذات البنوك وسلطة النقد، والقطاع الخاص بما فيهم المقاولون والموردون للسلطة، والنقابات العمالية، وربما آخرون. ويمكن أن تشمل هذه الخطة بعض الترتيبات التي يتم تطبيقها إذا تكرر هذا الأمر، مثل منح سلف للعاملين في القطاع العام، إعفاء الشيكات المرتجعة من الغرامات، تأجيل الأقساط المستحقة على المتضررين، الاتفاق على عدم الإضراب لفترة محددة، تقديم قرض طارئ للسلطة الوطنية، تعهدات من الحكومة بالتعويض، وغيرها. لقد تمت بعض هذه الخطوات من قبل بعض البنوك والمؤسسات، ولكن ذلك تم بدون تنسيق ولم يتم تطبيقه على كثير من الحالات. بالطبع، هذا لا يغني عن التوجه إلى الدول العربية والإسلامية، ليس فقط لتسديد التزاماتها ولكن أيضا للاتفاق معها على زيادة مساعداتها في مثل هذه الظروف الصعبة، بالإضافة أو بالتوازي مع العمل السياسي للضغط على المجتمع الدولي لضمان أن لا تتكرر هذه القرصنة.

وأخيرا، فإن هذا ليس بديلا عن معالجة المشكلة من جذورها، والتي تشمل التخلص من العجز في الموازنة العامة، ودفع مستحقات القطاع الخاص المترتبة على السلطة الوطنية، وبالذات للبنوك التجارية والمقاولين والموردين في القطاع الخاص، ليتسنى الحصول على مساعدتهم في حالة حدوث أزمات مشابهة.

 

HS

تدهور سعر صرف الدولار .. الخاسرون والرابحون

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏29‏/05‏/2011

أحد الإفرازات السيئة لبروتوكول باريس أنه سمح باستخدام أكثر من عملة قانونية في الأراضي الفلسطينية، وترك إمكانية إدخال عملة فلسطينية (أو ترتيبات عملة بديلة مؤقتة) رهنا بموافقة إسرائيل. وقد أدى ذلك إلى تداول عملات مختلفة في السوق الفلسطيني أبرزها الشيقل الإسرائيلي والدينار الأردني والدولار الأمريكي، ما عرض الاقتصاد الفلسطيني إلى مخاطر متزايدة نتيجة التقلبات المستمرة في أسعار الصرف لهذه العملات. وخلال الأشهر العشر الأخيرة، فقد الدولار الأمريكي حوالي 12% من قيمته مقابل الشيقل الإسرائيلي. وهذه ليس المرة الأولى التي يتدهور فيها سعر صرف الدولار خلال السنوات الماضية، فقد انخفضت قيمته حوالي 14% خلال الفترة من أيار 2002 إلى تموز 2003، أي خلال أربعة عشر شهرا، وانخفضت حوالي 23% خلال الفترة من آب 2007 إلى أيار 2008، أي خلال تسعة أشهر. وما ينطبق على الدولار الأمريكي ينطبق على الدينار الأردني، حيث تم ربط الدينار الأردني بالدولار الأمريكي بسعر ثابت إثر أزمة المديونية في الأردن عام 1988، وبالتالي فإن فقدان الدولار جزءا من قيمته يعني فقدان الدينار الأردني جزءا مماثلا من قيمته أيضا.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني؟ إنه يعني، ببساطة، أن أي تغير في سعر صرف الدولار أو الدينار سوف يؤدي إلى إعادة توزيع للدخل الحقيقي للأفراد والمجموعات في فلسطين، أي أنه سيكون هناك خاسرون يتضررون من هذا التغير وهناك رابحون يستفيدون منه.

من أبرز الخاسرين الذين يتضررون من انخفاض سعر الدولار الأشخاص الذين يحصلون على دخولهم بالدينار أو الدولار، فالقدرة الشرائية لهؤلاء الأشخاص تضعف نتيجة انخفاض قيمة الدولار. مثال على ذلك موظفو الجامعات وموظفو بعض الشركات الذين يقبضون رواتبهم بالدولار أو الدينار وأصحاب العقارات الذين يؤجرون عقاراتهم بالدينار أو الدولار. هؤلاء الأشخاص فقدوا حوالي 12 في المائة من دخلهم خلال الأشهر العشرة الماضية نتيجة انخفاض الدولار، بالإضافة إلى حوالي 3% نتيجة ارتفاع الأسعار (التضخم)، مما يعني أن دخلهم الحقيقي أو قدرتهم الشرائية انخفضت بأكثر من 15% خلال هذه الفترة.

من بين الذين يتضررون أيضا نتيجة انخفاض الدولار الأشخاص الذين يدخرون أموالهم بالدولار أو الدينار.  فعندما انخفضت قيمة الدينار الأردني إثر أزمة المديونية الأردنية عام 1988، فقد الفلسطينيون الذين كانت ودائعهم بالدينار الأردني أكثر من نصف مدخراتهم نتيجة لذلك. والأمر لا يختلف الآن كثيرا من حيث المبدأ، باستثناء أن الضرر يصيب المودعين بالدينار والدولار معا، داخل فلسطين وفي الخارج أيضا. وحسب تقرير سلطة النقد الفلسطينية، بلغت ودائع البنوك العاملة في فلسطين بالدولار والدينار حوالي 71% من إجمالي الودائع عام 2009، وليست هناك بيانات واضحة حول مدخرات الفلسطينيين بالدولار والدينار في الخارج. وقد تدهورت القوة الشرائية لهذه المدخرات نتيجة انخفاض سعر صرف الدولار.

الدائنون بالدولار أو الدينار أيضا يخسرون جزءا من قيمة ديونهم نتيجة انخفاض سعر الصرف لهاتين العملتين. وينطبق ذلك على حاملي السندات (الحكومية والأهلية) التي تمثل أدوات دين على الجهات التي تقوم بإصدارها (مثل الحكومات و الشركات الكبرى).

هناك آثار كثيرة أخرى قد تنجم عن تدهور قيمة الدولار على مستوى الاقتصاد الكلي، ولكن المجال هنا لا يتسع للخوض فيها بالتفصيل نظرا لضيق المساحة. من بين هذه الآثار انخفاض القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية في الخارج (باستثناء إسرائيل) نتيجة ارتفاع التكاليف التي تدفع معظمها بالشيقل المرتفع القيمة نسبيا، وانخفاض قيمة الأصول الموجودة في السوق المالي الفلسطيني (البورصة)، وزيادة مخاطر الاستثمار، وارتفاع أسعار الفائدة. وهذا كله ينعكس سلبا على الاستهلاك والاستثمار، وبالتالي على الإنتاج والتوظيف. كما قد ترتفع أسعار بعض السلع والخدمات التي يتم تسعيرها عادة بالدينار أو الدولار والتي لا يمكن استيرادها من الخارج (وبالذات الأراضي والعقارات وأجرة المساكن وبعض الخدمات)، مما يمكن أن يسهم في ارتفاع معدلات التضخم مستقبلا.

بالمقابل، هناك من يستفيد من انخفاض قيمة الدولار (والدينار). من أبرز هؤلاء بالطبع الشركات التي تبيع منتجاتها بالشيقل وتدفع رواتب موظفيها بالدينار أو الدولار، مثل شركة جوال والاتصالات والوطنية وغيرها. كما يستفيد من ذلك المقترضون والمدينون والأشخاص الذين يقبضون رواتبهم بالشيقل ويدفعون أجرة بيوتهم أو أقساط أبنائهم الجامعية والمدرسية بالدولار أو الدينار. وربما تنخفض أسعار بعض السلع المستوردة من أمريكا (مثل السيارات)، ولكن السلع المستوردة من منطقة اليورو أو من إسرائيل لن تنخفض، وربما ترتفع نتيجة ارتفاع أسعار النفط (الذي يرتبط عكسيا بسعر الدولار). أما الأشخاص الذين يضعون مدخراتهم بعملات أخرى، مثل اليورو والشيقل، فهم أيضا لا يتأثرون بانخفاض سعر الدولار، وريما يستفيدون من ذلك.

وماذا عن البنوك والحكومة؟ البنوك تكون عادة أكثر حذرا بحيث لا تأخذ مراكز لها بعملة معينة لكي تتجنب أخطار تقلب أسعار الصرف، وبالتالي تلجأ إلى معادلة مطلوباتها وموجوداتها بالعملات المختلفة. أما الحكومة، فإن معظم إيراداتها المحلية ونفقاتها هي بالشيقل، وكذلك الإيرادات التي تحصل عليها من المقاصة مع إسرائيل، وهذه لا تتأثر بانخفاض قيمة الدولار. ولكن جزءا كبيرا من المساعدات الخارجية للسلطة الوطنية يأتي بالدولار مما قد ينعكس سلبا على الموازنة العامة.

ما ينطبق على انخفاض قيمة الدولار والدينار ينطبق عكسه على ارتفاع قيمة الدولار والدينار. هناك إعادة توزيع للدخل، وهناك رابحون وخاسرون. المشكلة الرئيسية هي أن هذا التوزيع للدخل يتم بشكل عشوائي قد يتعارض مع أهداف المجتمع وقيمه الأساسية. والمشكلة الأخرى، والأهمّ، هي أنه يظل خارج سيطرة السلطة الفلسطينية نتيجة غياب عملة وطنية وفي ظل السماح باستخدام عملات قانونية مختلفة بموجب بروتوكول باريس.

 

HS

تسونامي الأغذية الفاسدة

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏5‏/06‏/2011

قبل ثلاثة أسابيع نشرت صحيفة الحياة الجديدة في ملحقها الاقتصادي (حياة وسوق) تحقيقا صحفيا حول الخبز الذي يستخدم خمائر مسرطنة، وفي الأسبوع الماضي نشرت تحقيقا آخر حول أنفلونزا البطيخ التي تغزو السوق الفلسطينية، وقبل ذلك، وخلال ذلك، ظهرت تقارير وأخبار صحفية كثيرة حول مصادرة وإتلاف عشرات الأطنان من المواد الغذائية الفاسدة أو الأدوية منتهية الصلاحية أو الأغذية غير الصالحة للاستهلاك الآدمي. وقد أثار ذلك موجة عارمة من القلق، خصوصا في ظل استفحال هذه الظاهرة وخطورتها، كما أثار تساؤلات عدة حول أسباب ذلك وانعكاساته، وحول دور الحكومة في مكافحة هذه الظاهرة ومسؤوليتها في حماية المستهلك.

الغش التجاري ليس ظاهرة جديدة في فلسطين أو في العالم، وهناك الكثير من حالات الغش التجاري المعروفة مثل خلط الحليب بالماء وخلط العسل بالسكر وإضافة ألوان صناعية لبعض الحلويات وغيرها، ولكن المشكلة التي نتحدث عنها هنا خطيرة جدا لسببين، أولهما طبيعتها القاتلة لاحتوائها على مواد سامة قد ينجم عنها وفيات أو أمراض مزمنة، وثانيهما تفاقمها وسرعة انتشارها في المجتمع الفلسطيني بحيث لا يكاد يمر أسبوع دون أن نقرأ عن حوادث مماثلة، حتى وصفها أحدهم بأنها “تسونامي الأغذية الفاسدة”.

السبب الرئيسي للغش التجاري غالبا الجشع والرغبة في تحقيق أرباح سريعة من خلال إضافة مواد رخيصة، وغالبا ما تكون ضارة أو سامة، بغية تحسين مظهر السلعة وزيادة قيمتها في نظر المستهلك أو بغية تخفيض التكاليف وزيادة الأرباح. ويشجع على ذلك غياب التشريعات والعقوبات الصارمة، والفلتان الأمني، وضعف الأجهزة الرقابية، وعدم السيطرة على المعابر والحدود مما يتيح لإسرائيل أن تلقي بمنتجاتها ومنتجات مستوطناتها بدون حسيب أو رقيب. وربما يكون من بين أسباب ذلك أيضا جهل المستهلك بمكونات السلعة أو قلة الوعي لدى جمهور المستهلكين وعدم إدراكهم لحجم الضرر والآثار الكارثية لهذه الظاهرة.

من الصعب حصر الأضرار والخسائر التي يتكبدها المجتمع الفلسطيني نتيجة انتشار الأغذية الفاسدة. ولا شك أن أهمها وأخطرها هي ما تسببه هذه المنتجات من تسمم تدريجي وموت بطيء لكثير من الأشخاص الأبرياء. فقد أظهرت الدراسات أن الأغذية الفاسدة يمكن أن تتسبب في العديد من الأمراض من بينها السرطان، أمراض القلب، الفشل الكلوي، الإجهاض، الأنيميا، الشلل، الالتهابات المزمنة وغيرها. ليس من السهل تقدير قيمة هذه الأضرار ماديا. هل يمكن وضع قيمة نقدية لحياة الإنسان؟ ماذا يعني أن يصاب شخص بالسرطان؟ كيف يمكن تقدير قيمة الآلام والأوجاع التي يعاني منها المريض وعائلته نتيجة الإصابة بهذه الأمراض؟

وحتى لو وضعنا ذلك جانبا، فإن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن انتشار الأغذية الفاسدة هائلة على المدى البعيد. فبالإضافة إلى التكاليف المباشرة التي تتمثل في ملايين الدولارات التي تنفقها الدولة لعلاج هذه الأمراض، فإن الخسارة في رأس المال البشري تتعدى ذلك بكثير نتيجة التغيب عن العمل وفقدان الوظيفة ونقص الإنتاج وخسارة الدخل للأشخاص المتضررين. ولكن الأخطر من ذلك هو اهتزاز ثقة المواطن بمنتجاته الوطنية، ما يعني انخفاض الطلب على تلك المنتجات والتوجه إلى المنتجات الأجنبية المستوردة، وبالتالي إغلاق المصانع الوطنية الواحد تلو الآخر.

من الانعكاسات الخطيرة الأخرى للغش التجاري بصفة عامة، والأغذية الفاسدة بصفة خاصة، تأثيرها السلبي على المنافسة. فعندما يتمكن منتجو الأغذية الفاسدة من بيعها بأسعار رخيصة، تقل أحيانا عن تكلفة إنتاج السلعة الجيدة، فسيؤدي ذلك إلى خروج المنتجات الجيدة وسيطرة السلع الرديئة على السوق المحلي. كما سيؤدي ذلك إلى ضعف القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية في أسواق التصدير نتيجة الصورة الذهنية السالبة التي تتولد عند المستهلك الأجنبي للسلعة، وهذا ضرر بعيد المدى. ولسوء الحظ، فإن ذلك يعني خسارة ليس فقط للمنتج الذي يغش، ولكن أيضا لبقية الصناعة والموزعين والموظفين المرتبطين بتلك السلعة.

ويبقى السؤال، ما هو دور الدولة في حماية المستهلك من هذه الأغذية الفاسدة؟ وما هي الخطوات الواجب اتخاذها لمكافحة هذه الظاهرة؟

من الناحية النظرية، فإن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية مواطنيها والدفاع عنهم. هذه هو مصدر الشرعية لأي حكومة، وهذا هو المبرر الرئيسي للسياسات والتشريعات والقوانين الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. وبالتالي فإن من واجب ومسؤولية الدولة حماية أفراد المجتمع، مستهلكين وغيرهم، من كل ما يضرهم، بما في ذلك حمايتهم من الأغذية الفاسدة والأدوية منتهية الصلاحية وغيرها، خصوصا عندما لا يكون لدى المستهلك المعلومات الكافية أو الوسائل لاكتشاف الأخطار الناجمة عن استهلاك هذه المنتجات. وهذا يفترض أن يكون لدى الأجهزة الحكومية القدرة على معرفة مكونات المنتجات التي يتم تداولها في السوق، ووضع المواصفات والمقاييس التي تحدد المعايير التي يجب توفرها في تلك المنتجات.

أن وجود مواصفات واضحة هو شرط ضروري ولكنه ليس كاف لضمان منتجات آمنة في السوق الفلسطينية، بل يجب أن يصاحب ذلك أجهزة رقابية يقظة تتوفر لديها البرامج والأدوات والآليات لقياس وفحص ومراقبة الجودة، ويشمل ذلك المختبرات الحديثة والموظفين المدربين والموارد المالية اللازمة. لا يكفي أن تكون هناك أجهزة رقابية عديدة، بل يجب أن يكون هناك تعاون وتنسيق بين الأجهزة ذات العلاقة لضمان مراقبة مستمرة على كافة حلقات السلسلة الغذائية ابتداء من التصنيع والتخزين وحتى قنوات التوزيع والبيع، وأن يشمل ذلك الواردات أيضا. كما يجب أن تكون هناك قوانين وتشريعات عصرية متكاملة لحماية الصحة العامة وضمان الغذاء الجيد، وأن تشمل هذه التشريعات والقوانين عقوبات صارمة للمخالفين تكفي لردعهم، بما في ذلك إغلاق محلاتهم نهائيا والتشهير بهم. والأهم من ذلك هو تطبيق هذه القوانين بحزم وسرعة، وليس مجرد صياغتها كأدبيات منمقة. إضافة إلى ذلك، وربما قبل ذلك، يجب توفير المعلومات اللازمة للمستهلكين حول المنتجات المتوفرة في السوق، وتوعيتهم بالآثار والأضرار الناجمة عن استهلاك هذه المنتجات.

لقد حدثت تجارب مماثلة في كثير من الدول وتعاملت معها بالحزم والجدّية اللذين تستحقهما، ولعل أشهرها ما أصبح يعرف بفضيحة الحليب الصيني عام 2008، والتي نجمت عن إضافة مادة الملامين إلى الحليب ومشتقاته ما تسبب في أضرار لحوالي 300 ألف شخص، من بينهم وفاة ستة أطفال نتيجة فشل كلوي. وقد أضرّ ذلك كثيرا بسمعة الصين وصادراتها الغذائية، وتوقفت 11 دولة عن استيراد منتجات الحليب من الصين بشكل كامل. وقد جرت محاكمات جنائية تم على أثرها تنفيذ حكم الإعدام بشخصين والحكم بإعدام شخص ثالث مع وقف التنفيذ، وحبس ثلاثة أشخاص بالسجن مدى الحياة، والحكم على شخصين بالسجن لمدة 15 سنة، وتم فصل سبعة مسؤولين، بالإضافة إلى مدير دائرة الرقابة وفحص الجودة.

فهل يمكن أن نتعلم شيئا من التجربة الصينية؟ ألم يقل الحديث الشريف “أطلبوا العلم ولو في الصين”!

 

HS

المستهلكية وحقوق المستهلك

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏12‏/06‏/2011

لم أجد ترجمة دقيقة لمصطلح  Consumerismباللغة الإنجليزية، فقررت المغامرة بترجمته قياسا إلى مصطلح “المستهلكية” باللغة العربية؛ ولست أدري إن كان قد سبقني أحد إلى هذه المحاولة، فإن فعل فجزاه الله خيرا، وإن لم يفعل فستكون هذه مغامرة تستحق المحاولة.

ما يهمني هنا ليس ترجمة المصطلح وإنما معناه. فالمستهلكية هي حركة اجتماعية تهدف إلى تعظيم رفاهية المستهلك من خلال ضمان حصوله على السلع والخدمات التي يحتاج إليها بمواصفات جيدة وبأسعار معقولة. وهي بهذا المعنى أوسع بكثير من مصطلح حماية المستهلك الذي يوحي بأن المستهلك طرف ضعيف. في الواقع، المستهلك هو الطرف الأقوى في المعادلة ولكن قوته مشتتة وموزعة بين ملايين الأفراد، وبالتالي فهو لا يستطيع ممارسة ضغوط تعكس قوته الحقيقية في السوق. بالمقابل، فإن قطاع الأعمال يستطيع أن يحمي مصالحه من خلال تشكيل مؤسسات واتحادات ذات تأثير قوي، مثل مجلس تنسيق القطاع الخاص، جمعية رجال الأعمال، اتحاد الصناعات الفلسطيني، بالتريد، اتحاد شركات التأمين، جمعية البنوك، وغيرها. وهو يقوم، من خلال هذه المؤسسات، بالاتفاق على تثبيت الأسعار وتقسيم السوق والحدّ من المنافسة وعلى أشياء كثيرة أخرى يتعارض بعضها مع مصلحة المستهلك؛ كما يمارس، من خلال هذه المؤسسات أيضا، ضغوطا على الحكومة لسن وتعديل التشريعات الملائمة له. والسؤال هو، إذا كانت هذه المؤسسات تحمي مصالح قطاع الأعمال، فمن يحمي مصلحة المستهلك وحقوقه؟

لا يكفي أن تكون هناك فقط جمعية ضعيفة لحماية المستهلك، نشاطها محدود وصوتها غير مسموع، ولا يجوز أن تكون هذه الجمعية جزءاً من الجهاز الحكومي البيروقراطي. المطلوب هو حركة مستهلكية واعية تسعى إلى تعزيز حقوق ومصالح المستهلكين، وأن يقود ذلك جمعيات تقوم بإعادة الاعتبار إلى المستهلك الفلسطيني، وتعمل على توعيته وتعريفه بحقوقه، وتفرض على البائع الاهتمام بذوق المستهلك وخياراته ورغباته.

جمعيات المستهلك هذه هي مجموعات ضغط، تستطيع أن تمارس ضغطا على مؤسسات الأعمال لتقديم سلع وخدمات أفضل للمستهلك وضمان عدم استغلاله أو خداعه عن طريق الممارسات الخاطئة، مثل الغش التجاري والدعاية المضللة والتزوير واحتكار السلع، وتستطيع أن تمارس ضغطا على الحكومة لسن التشريعات وصياغة السياسات وبناء المؤسسات التي تحمي مصالح المستهلكين وتضمن سرعة تنفيذ القوانين. وهناك الكثير من وسائل الضغط التي تملكها هذه الجمعيات، فهي تستطيع أن تفضح الممارسات الخاطئة، وهي تستطيع أن تقاطع المنتجات غير المطابقة للمواصفات والجودة، وهي تستطيع أن تقاطع الشركات التي تحاول أن ترفع الأسعار بشكل احتكاري. وهناك أمثلة كثيرة على نجاح هذه الضغوط في أماكن مختلفة من العالم.

في العام 1962، ألقى الرئيس كيندي خطابا أمام الكونغرس الأمريكي حدّد فيه أربعة حقوق أساسية للمستهلك هي الحق في الحصول على سلعة آمنة، والحق في الحصول على معلومات كاملة وغير مضللة، وحق المستهلك في الاختيار، وحق المستهلك في الاستماع إليه. وقد اعتمدت الأمم المتحدة هذه الحقوق عام 1985، وأضافت إليها أربعة أخرى هي الحق في إشباع الحاجات الأساسية، والحق في التعويض عن الأضرار، والحق في التعليم، والحق في بيئة صحية. لقد أصبحت هذه الحقوق جزءا من القوانين والتشريعات المحلية في كثير من الدول المتحضرة ، وآن الأوان لتصبح جزءا من القوانين والتشريعات الفلسطينية وأن يتم تطبيقها بحزم.

لعل من المحرج أن يضطر المستهلك لشراء سلعة لا يعرف محتوياتها أو مكوناتها لأن بطاقة البيان مكتوبة بلغة لا يعرفها أو أنه لا توجد بطاقة بيان أصلا، بالرغم من التشريعات التي تجبر البائع على ذلك. وربما يكون من المحزن أن تحدث حالات وفاة بسبب إهمال جسيم في بعض المستشفيات ثم نعزو ذلك إلى القضاء والقدر وحدهما، دون أن يعرف المستهلك نتائج التحقيق، ودون أن يجد المتضرر من يعوّضه عن ذلك. ولعل من التناقض المثير للسخرية أن يدّعي البائع أن الزبون هو دائما على حق ولكنه يتعامل معه أحيانا بفظاظة تعكسها عبارات مثل “البضاعة المباعة لا تردّ ولا تستبدل”، بدلا من عبارة “نحن نضمن لك الرضا التام، وإذا لم ترض عن السلعة بشكل كامل، فيمكنك إعادتها خلال شهر لاستبدالها أو استرجاع نقودك”. هذه أمثلة محدودة على انتهاكات لحقوق للمستهلك يجب تداركها في التشريعات الفلسطينية.

نحن في فلسطين أحوج ما نكون إلى حركة مستهلكية حقيقية شاملة، وإلى مستهلك واع يعرف حقوقه ويدافع عنها، وإلى جمعيات مستهلك نشيطة في كل مكان من الأراضي الفلسطينية، خصوصا في ظل غياب التشريعات والأجهزة التي تحمي المستهلك وتدافع عن مصالحه، وفي ظل إغراق السوق بمنتجات المستوطنات، وفي ظل ضعف الرقابة، وعدم السيطرة على الحدود. ولكي تنجح هذه الجمعيات، يجب أن تكون أهلية، غير مرتبطة بالحكومة، وأن تمثل جميع أطياف المستهلك الفلسطيني وتنتشر في كافة الأراضي الفلسطينية.

وأخيرا، لا بد من التأكيد أن المستهلكية ليست صراعا بين أطراف متنازعة ولكنها توازن لمصالح الأطراف المختلفة. وهي ليست ضد رجال الأعمال والمنتجين، بل هي في الواقع تساعدهم على فهم احتياجات ورغبات ومشاكل المستهلكين. بل إن كثيرا من الشركات الناجحة في معظم دول العالم تسعى باستمرار لمعرفة رأي المستهلك والاستماع لاقتراحاته وأفكاره بغية تطوير منتجاتها لتلبية احتياجات ورغبات زبائنها، وهذا الاتجاه الصحيح هو اعتراف صريح بحقوق المستهلك، وهو نجاح باهر لفكرة المستهلكية ومساهمتها في خدمة المستهلك والمنتج والمجتمع ككل.

والآن، هل يستحق مصطلح “المستهلكية” أن نضيفه إلى معجم اللغة العربية!؟

 

HS

التدخين والتعليم … ورأس المال البشري

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏19‏/06‏/2011

من الحقائق المفزعة التي أسفر عنها تقرير الجهاز المركزي للإحصاء بمناسبة اليوم العالمي للكف عن التدخين أن الإنفاق على التدخين في فلسطين أكثر من الإنفاق على التعليم.  فقد أنفقت الأسرة الفلسطينية حوالي 32 دينارا على التبغ والسجائر شهريا مقابل 27 دينارا على التعليم خلال العام 2009، وهذا يعني أن متوسط إنفاق الفرد على التدخين بلغ 5.4 دينار شهريا مقابل 4.5 دينار على التعليم خلال تلك الفترة. وبالرغم من أن حجم الإنفاق على التدخين كان أقل من الإنفاق على الرعاية الطبية في الأراضي الفلسطينية بشكل عام، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في الضفة الغربية حيث أنفقت الأسرة على التدخين حوالي 43 دينارا (بمعدل 7.3 دينار للفرد) مقابل 39 دينارا على الرعاية الطبية (بمعدل6.7 دينار للفرد). وقد أثارت هذه الأرقام مجموعة من الأسئلة المثيرة للقلق: أيهما أكثر سوءا، كثرة الإنفاق على التدخين أم قلة الإنفاق على التعليم؟ وهل هناك علاقة بين التدخين والتعليم؟ وهل هذه العلاقة سببية وبأي اتجاه؟ وما علاقة ذلك برأس المال البشري وتطور الاقتصاد ورفاهية المجتمع؟

سأترك الإجابة على السؤال الأول قليلا، وأتحدث بداية عن العلاقة بين التدخين والتعليم. فقد أكّدت دراسات عديدة وجود علاقة عكسية بين التدخين وعدد سنوات الدراسة، فكلما زاد التحصيل العلمي للأفراد في المجتمع كلما قلت نسبة المدخنين بينهم. وقد وجدت معظم هذه الدراسات أن هذه العلاقة سببية، بمعنى أن ارتفاع مستوى التعليم هو الذي يؤدي إلى قلة التدخين وليس العكس. كما أظهرت دراسات كثيرة أخرى أن هناك علاقة طردية بين مستوى التعليم في المجتمع ونسبة الذين يقلعون عن التدخين في ذلك المجتمع. ويعللون ذلك بأن الشخص المتعلم يدرك أكثر من غيره مضار التدخين وانعكاساته على المدى البعيد، وبالتالي يتوقف عن التدخين إذا كان قد ابتلي به.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الأول، فإذا كانت النتيجة السابقة صحيحة، فإن قلة الإنفاق على التعليم هي أخطر بكثير من زيادة الإنفاق على التدخين. فانخفاض مستويات التعليم لدى الأفراد يجعلهم يجهلون مضار التدخين، وبالتالي يبدأون بالتدخين في سنّ مبكر ويستمرون فيه دون أن يدركوا تأثيراته السلبية عليهم وعلى عائلاتهم وعلى المجتمع بأكمله. وهذا يفسر ما نشاهده أحيانا من ارتفاع نسبة التدخين لدى بعض العائلات الفقيرة مقارنة مع العائلات الغنية، بالرغم من أن قدرة الأخيرة على شراء السجائر أعلى، ولكن مستوى التعليم لديها قد يكون أفضل.

زيادة الإنفاق على التدخين من جهة، وانخفاض الإنفاق على التعليم والرعاية الطبية من جهة أخرى، يؤثران سلبا على رأس المال البشري، وبالتالي على الاقتصاد بشكل عام. فالتعليم والصحة هي أهم مكونات رأس المال البشري، وقلة الإنفاق عليهما يؤثر بشكل سلبي ومباشر على المهارات والقدرات الشخصية للأفراد. أما تأثير التدخين على رأس المال البشري فهو أكثر خطورة نظرا لما يسببه من تدهور في المستوى الصحي، وما ينجم عنه من أمراض قاتلة مثل تصلب الشرايين وأمراض القلب والرئة والسرطان وغيرها، وما يصاحب ذلك من نقص في الإنتاجية وتغيب عن العمل، إضافة إلى التكاليف الباهظة التي يتحملها الأفراد والمجتمع، والتي لا تنحصر في حجم الإنفاق على التدخين نفسه ولكنها تتعدى ذلك لتشمل أيضا تكلفة علاج المدخنين، والتأثير على غير المدخنين (التدخين السلبي) وعلى التلوث والبيئة وغيرها.

وقد تنبهت جميع الدول إلى خطورة التدخين وآثاره المدمرة على الفرد والمجتمع، وحاولت الحدّ من انتشاره بشتى الطرق. وبصفة عامة، كانت هناك ثلاث مجموعات من البرامج التي تتبناها الحكومات لمكافحة التدخين، المجموعة الأولى تشمل فرض ضرائب ورسوم على السجائر ومشتقاتها، بغية رفع أسعار هذه المنتجات مما يحدّ من الطلب عليها. المجموعة الثانية تشمل سن تشريعات وقوانين تحدّ من ترويج منتجات السجائر والتبغ؛ ويشمل ذلك، على سبيل المثال وليس الحصر، منع بيع السجائر لمن هم أقل من 18 سنة، ومنع الدعاية للتبغ والسجائر وتوابعها في كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ومنع التدخين في الأماكن العامة. أما المجموعة الثالثة فتركز على الجانب التعليمي التثقيفي من خلال توفير معلومات كافية حول تأثير التدخين على الصحة والبيئة، ويشمل ذلك توعية الأطفال والشباب في المدارس والجامعات والمؤسسات، وإطلاق حملات مكافحة التدخين، ووضع تحذيرات على علب السجائر وغيرها.

بالنسبة للمجموعة الأولى، أي فرض الضرائب والرسوم على السجائر، فإنها قد تزيد من إيرادات الدولة ولكنها في الغالب لا تحلّ مشكلة التدخين نظرا لأن الطلب على السجائر غير مرن (بلغة الاقتصاديين)، بمعنى أن ارتفاع الأسعار لا يؤدي إلى التخفيف من الطلب على التدخين بشكل ملحوظ. في فلسطين، وبالرغم من ارتفاع الضرائب والمكوس على السجائر، فإن البيانات المتوفرة تظهر أن ما كان ينفقه الفرد على التبغ والسجائر عام 1996 بلغ 3.6 دينار، ولكنه ارتفع إلى 5.4 دينار عام 2009، أي بزيادة تصل إلى 50% خلال تلك الفترة. أما سن التشريعات والقوانين التي تحدّ من ترويج منتجات التدخين، فهي ضرورية حتى لا يقع صغار السن وبعض الجاهلين في براثن الإدمان نتيجة لسهولة الوصول إلى السجائر ومشتقاتها، أو نتيجة لما تقوم به شركات السجائر من حملات ترويج ودعاية تشمل إغراءات كثيرة لهذه المجموعة من المستهلكين، ولكنها غير كافية إذا لم يصاحبها تطبيق صارم لهذه القوانين. في فلسطين هناك قانون لمكافحة التدخين صدر عام 2005 ولكنه غير مفعّل، دون أن يكون هناك تبرير لعدم البدء بتطبيقه لغاية الآن.

وأخيرا، فإن فرض الضرائب والرسوم وسن القوانين والتشريعات لن تثمر في مكافحة التدخين بدون الاستثمار في التعليم. أن مجتمعا متعلما واعيا فقط يستطيع أن يدرك حجم الأخطار التي تنجم عن التدخين، وهو الأقدر على مكافحتها. ولكن الاستثمار في التعليم ليس واجب الحكومة فقط، بل هو أيضا واجب الفرد والأسرة، ومسؤولية كافة مؤسسات المجتمع المدني. كما أن العائد على التعليم لا يقتصر على زيادة دخل الفرد والأسرة، ولكنه ينعكس على زيادة رأس المال البشري، وبالتالي زيادة الإنتاج وتحسين رفاهية المجتمع.

 

HS

هل هناك علاقة بين الأجور والإنتاجية؟

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏26‏/06‏/2011

شهدت الأراضي الفلسطينية زيادة مستمرة في مستويات الأجور خلال السنوات الماضية، فقد أظهر التقرير الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء مؤخرا حول أداء الاقتصاد الفلسطيني أن معدل الأجر اليومي الاسمي ارتفع من 74 شيقل عام 2004 إلى 92 شيقل عام 2010، أي حوالي 24.3% خلال ستة أعوام. بالمقابل، ارتفعت إنتاجية العامل خلال نفس الفترة بأقل من 1.4%. وقد أدت زيادة الأجور بنسبة تفوق كثيرا نمو الإنتاجية إلى ارتفاع  تكلفة الإنتاج وبالتالي ضعف القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية. من ناحية أخرى، فإن ارتفاع الأجور بهذه النسبة لم ينعكس على رفاهية العامل، فبالرغم من ارتفاع معدل الأجر اليومي الاسمي بأكثر من 4% سنويا، إلا أن تلك الزيادة كانت أقل من معدل التضخم السنوي، ما أدى إلى انخفاض معدل الأجر اليومي الحقيقي من 74 شيقل عام 2004 إلى 71 شيقل عام 2010، أي أن القوة الشرائية لدخل العامل الفلسطيني انخفضت بحوالي 4% خلال تلك الفترة بالرغم من زيادة الأجور الاسمية.

بالإضافة إلى ضعف الإنتاجية بشكل عام في فلسطين، فهي تتفاوت أيضا من صناعة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر ومن شخص إلى آخر داخل فلسطين نفسها، وكذلك الأجور الاسمية والحقيقية، ما يعيدنا إلى الجدل المستمر حول العلاقة بين الإنتاجية والأجور: أيهما السبب وأيهما النتيجة؟ هل انخفاض الإنتاجية هو سبب انخفاض الأجور أم أنه نتيجة لذلك؟ هناك من يعتقد أن زيادة الأجور تؤدي إلى زيادة الإنتاجية لأنها تقدم حافزا للموظف يدفعه إلى العمل بشكل أفضل وإلى بذل جهد أكبر. وبناء على هذه الفرضية، فإن الشركات (والحكومة) يجب أن تعمل على زيادة أجر الموظفين لديها لضمان تفانيهم وإخلاصهم في العمل وحفزهم لبذل جهد أكبر لنجاح المؤسسة وزيادة أرباحها. وهناك بالمقابل من يرى أن العكس هو الصحيح، فالإنتاجية هي التي تحدد الأجور، والشخص الذي ينتج أكثر يستحق أجرا أعلى.

ماذا تقول النظرية الاقتصادية؟ حسب النظرية الاقتصادية، فإن الأجور هي “سعر” استخدام عنصر العمل، وهي بالتالي مثل أسعار السلع والخدمات وعناصر الإنتاج الأخرى تتحدد في ظل نظام السوق بقوى العرض والطلب. العرض يمثل رغبة وقدرة الأفراد في العمل عند رواتب معينة، وكلما زاد الأجر كلما كان الشخص مستعدا للعمل لساعات أطول، بمعنى أن العامل يفضل أجرا أعلى. وهناك مجموعة من العوامل التي تؤثر في ذلك منها طبيعة الوظيفة (بعض الوظائف فيها مخاطرة أكثر من غيرها، مثل العمل في الأماكن المرتفعة) وظروف العمل (مثل العمل الذي يحتاج إلى السهر لساعات متأخرة) وغيرها. أما الطلب، فهو يعتمد بدرجة أساسية على إنتاجية العامل، فكلما كان العامل ذا إنتاجية أعلى كلما كانت الشركة التي تطلب خدماته مستعدة لدفع مبالغ أكبر لهذه الخدمات. فالعامل الذي يستطيع جمع عشرين صندوقا من الفاكهة في اليوم يمكن أن يحصل على أجر أعلى من العامل الذي يستطيع جمع عشرة صناديق فقط، والسكرتيرة التي تستطيع أن تنهي طباعة أربعين صفحة في اليوم يمكن أن تحصل على ضعف راتب السكرتيرة التي تستطيع طباعة عشرين صفحة فقط، وهكذا. ومن الواضح أن ذلك يعتمد على مهارة العامل وقدراته الشخصية وقيمة السلع أو الخدمات التي ينتجها. بالنسبة لصاحب العمل، فإن زيادة الإنتاجية تعني انخفاض التكاليف ونمو الأرباح، بينما يعني انخفاض الإنتاجية ارتفاع التكاليف وبالتالي ضعف القدرة التنافسية وتدني الأرباح. ولهذا السبب تعمل المؤسسات باستمرار على زيادة إنتاجية موظفيها عن طريق التدريب والدورات وورشات العمل وتقديم الحوافز المادية والمعنوية. الحكومة تفعل ذلك أيضا، تسعى لتحسين إنتاجية موظفيها لأن ذلك يجعلها أقدر على تقديم الخدمات للجمهور بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.

النظرية إذن واضحة، إنتاجية العامل هي التي تحدد أجره. ولكن مهلا، فإن هناك أكثر من مشكلة تتعلق بهذا الاستنتتاج. المشكلة الأولى تتعلق بقياس الإنتاجية. أحيانا، وخصوصا في القطاع العام يكون من الصعب قياس الإنتاجية. كيف يمكن، مثلا، قياس إنتاجية المدرس؟ هل يعتمد ذلك على عدد الطلاب الذين يدرسهم؟ أم على نتائجهم المدرسية؟ أم على عدد الساعات التي يقوم بتدريسها؟ أم ماذا؟ وكذلك الأمر بالنسبة للطبيب في القطاع الحكومي، ورجل الأمن، ورجال المطافيء، وغيرهم. المشكلة الثانية تتعلق بصعوبة تطبيق ذلك عمليا لأنها تعني، حتى لو استطعنا قياس الإنتاجية لكل شخص، أنه سيكون هناك عدة رواتب مختلفة لنفس الوظيفة ونفس المهنة في نفس المؤسسة. والمشكلة الثالثة، والأهم، هي أن النظرية تفترض ظروف المنافسة الكاملة في سوق العمل. ولكن، في الحياة العملية فإن المنافسة الكاملة في سوق العمل تكاد تكون غير موجودة. ما هو موجود فعليا هو منافسة غير كاملة، مثل وجود صاحب عمل كبير ووحيد في السوق، أو وجود نقابة تتصرف كمحتكر في عرض خدمات معينة، أو وجود الإثنين معا. هذه الحالة الأخيرة، والتي يطلق عليها الاحتكار الثنائي، تشبه الوضع الذي نجم عنه إضراب الأطباء في القطاع الحكومي في الضفة الغربية مؤخرا. في هذه الحالة، هناك صاحب عمل كبير جدا (الحكومة) وهناك نقابة عامة للأطباء. وكما هو واضح، ليس من السهل قياس الإنتاجية للأطباء في هذا القطاع، ولكنهم ينظرون إلى زملائهم الأطباء في القطاع الخاص ويعتبرون الدخل الذي يحصل عليه هؤلاء الأطباء مؤشرا لإنتاجيتهم الفعلية، وبطالبون بتحسين أوضاعهم وتعديل رواتبهم بناء على هذا التقدير. وهم يفعلون ذلك بصفة جماعية (عن طريق النقابة) مقابل حكومة لا تملك الإمكانيات اللازمة لتلبية تلك المطالب. هذه حالة كلاسيكية مشهورة للاحتكار الثنائي، والحل فيها يعكس قوة المتفاوضين من كل طرف وقدرتهم على الضغط، ولا يخضع لظروف العرض والطلب وقوى السوق. وهي حالة تشبه إلى حد كبير إضراب أساتذة الجامعات الفلسطينية قبل بضعة أسابيع حيث تم التوصل إلى اتفاق من خلال المفاوضات. هنا أيضا، في حالة إضراب الأطباء، سيتم الحل عن طريق التفاوض وليس عن طريق العرض والطلب. وفي ظل التناقض الكبير في المطالب، ونظرا لأهمية القطاع الصحي وتأثيره على المواطنين والمجتمع بشكل عام، فربما تكون هناك حاجة ماسة لتدخل مجموعات ضغط أخرى ذات تأثير ملموس على الطرفين، وبالذات المجلس التشريعي أو مكتب الرئيس أو غيرهم، لحل هذه المعضلة التقليدية.

 

HS

الحد الأدنى للأجور.. ما له وما عليه!

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏3‏/07‏/2011

تمارس النقابات العمالية ضغوطا متكررة لإقرار حد أدنى للأجور في فلسطين، ويستندون في ذلك إلى تجارب دول كثيرة في المنطقة وخارجها، وإلى تدني أجور شريحة كبيرة من العمال في الأراضي الفلسطينية، تقل أحيانا عن 500 شيقل في الشهر. وقد كتب كثيرون عن تأثير الحد الأدنى للأجور من زوايا مختلفة، سياسية واجتماعية وأخلاقية واقتصادية، وخطر لي أن أتطرق إلى هذا الموضوع في مقالي السابق حول العلاقة بين الأجور والإنتاجية، ولكني تراجعت لسببين، أولهما خشيتي أن يطول ذلك المقال بأكثر مما يتحمل صدر القارئ أو صبر رئيس التحرير، وثانيهما أن أهمية الموضوع تستحق أن يفرد له مقالا كاملا يعالج الجوانب الاقتصادية فيه.

بداية، فإن الحديث هنا لا يدور حول عدالة المطلب وشرعيته، فليس هناك من يشكّ أو يشكّك في حق الإنسان في العمل والعيش بكرامة؛ ولكن الحديث يدور حول تأثير الحد الأدنى للأجور وانعكاساته. وبالذات، هل إقرار حد أدنى للأجور في فلسطين هو في صالح الطبقة العاملة التي نسعى لحمايتها وتحسين ظروف عيشها؟ وهل سيؤدي ذلك إلى تحسين ظروف حياة العمال الفقراء أم إلى زيادة وضعهم سوءا؟

من الناحية الاجتماعية، يرى كثيرون أن تطبيق سياسة الحد الأدنى للأجور تبدو مستساغة لأنها تؤدي إلى تحسن مستوى المعيشة للفقراء والطبقات المهمّشة في المجتمع، وتسهم في تخفيف الفوارق بين الفئات العمالية المختلفة، وتعمل على تحقيق عدالة أفضل في توزيع الدخل بين أفراد المجتمع. ويعتبر البعض، وهم على حق، أن إقرار الحد الأدنى للأجور يساعد على تحقيق وضمان السلم الأهلي وتوفير نوع من العدالة لإنصاف فئات مظلومة من العمال، خاصة من يعملون بالمياومة.

من الناحية الاقتصادية، يرى المؤيدون أن تطبيق سياسة الحد الأدنى للأجور سوف يحفّز العاملين لتحسين أدائهم ويشجعهم على العمل بشكل أفضل، ما يعني تحسين إنتاجية العمل وزيادة المنافسة في السوق الفلسطينية. كما أن هذه السياسة تحفّز الاستهلاك من خلال توفير قوة شرائية للأشخاص ذوي الدخل المنخفض، وبالتالي فهي تسهم في زيادة الاستثمار، ما يؤدي إلى نمو الإنتاج وانخفاض معدلات البطالة.

أما المعارضون لتطبيق الحد الأدنى للأجور فيشككون في تأثير ذلك على الفقر. فالذين يحصلون على أجر أقل من الحد الأدنى لا يعيشون بالضرورة تحت خط الفقر، حيث أن نسبة كبيرة منهم لديها مصادر أخرى للدخل في العائلة (عمل الزوج أو الزوجة أو الابن أو الابنة أو غيرهم). كما أن فرض سياسة الحد الأدنى للأجور يؤدي إلى زيادة في تكاليف السلع والخدمات التي تشكل الأجور جزءا منها. وكلما كانت السلعة أو الخدمة أكثر كثافة واستخداما للعمل، كلما أدى تطبيق تلك السياسة إلى ارتفاع أكبر في تكاليف الإنتاج وإلى انخفاض في القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية (الضعيفة أصلا)، وهذا يعني أن بعض الشركات التي لن تستطيع المنافسة سوف تصفي أعمالها أو تقلل من حجم نشاطها، وبالتالي تستغني عن موظفيها أو عن جزء منهم، ما يعني زيادة في معدلات البطالة والفقر. ومما يزيد من عبء تطبيق هذه السياسة على الاقتصاد أن تأثيرها على المؤسسات والأفراد ليس متساويا، فهي تشكل عبئا أكبر على المؤسسات المحلية الصغيرة مقارنة بالمؤسسات الكبيرة والأجنبية. كما أن معظم الذين يتم الاستغناء عنهم نتيجة ارتفاع الأجور هم من العمال غير المهرة والنساء والعمال صغار السن الذين يدخلون سوق العمل للمرة الأولى، لأن هذه الفئات هي التي تحصل عادة على أجور متدنية، وبالتالي هي الأكثر تأثرا بسياسة الحد الأدنى للأجور.

ما أحاول أن أقوله في هذا المقال هو أن إقرار حد أدنى للأجور في الوقت الراهن ليس في مصلحة العامل نفسه، وبالتالي فهو عكس ما يهدف إليه المطالبون به. في الوقت الراهن هناك ارتفاع كبير في معدلات البطالة في الأراضي الفلسطينية، وبالتالي فإن إقرار حد أدنى للأجور سوف يؤدي إلى تفاقم مشكلة البطالة. كما أن التفاوت الكبير بين هيكل الأجور السائدة في السوق ومستوى خط الفقر (الذي يمكن أن يكون الحد الأدنى المستهدف للأجور) يجعل الزيادة في التكاليف الناجمة عن تلك السياسة باهظة، خصوصا أن الصناعة الفلسطينية، بشكل عام، ذات كثافة عمالية، ما يعني أن أي زيادة في الأجور سوف تنعكس بشكل كبير على تكلفة الإنتاج والقدرة التنافسية.

لسنا ضد إقرار حدّ أدنى للأجور من حيث المبدأ، ولكن ليس الآن!

يجب أولا تأهيل الاقتصاد بحيث يمكن تطبيق الحد الأدنى للأجور في الوقت المناسب، وبحيث يؤدي إقرار هذه السياسة إلى تقليل عدد الوظائف المفقودة، وفي نفس الوقت المحافظة على القدرة التنافسية. الحل الأمثل لهذه المعضلة يكمن في تحسين مستوى إنتاجية العامل الفلسطيني، وبالتالي زيادة الطلب على هذا العامل، ما يدفع بالأجور إلى أعلى ويزيد، في نفس الوقت، من عدد العاملين في السوق. وهذا يتطلب من الحكومة التركيز على البرامج التي يمكن أن تسهم في زيادة إنتاجية العمل، وبالذات زيادة الإنفاق على التعليم والتدريب، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتقديم حوافز للقطاع الخاص لاستخدام تكنولوجيا متطورة وآلات حديثة.

الذين يستشهدون بتجارب الدول الأخرى عليهم أن يتذكروا أن كثيرا من دول شرق آسيا، وبالذات كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة، لم تطبق سياسة الحد الأدنى للأجور خلال فترات النمو السريعة. عندما بدأت تلك الدول في عملية التنمية، كان لديهم بطالة مرتفعة وفقر منتشر، وجميعهم تقريبا استخدموا العمل كعنصر أساسي في إستراتيجية التنمية، وتركوا الأمور تتحدد في البداية عن طريق السوق. ومع تزايد الضغوط الاجتماعية والسياسية والدولية، تبنت تلك الدول سياسات الحد الأدنى للأجور، ولكن مع مراعاة أن تكون تلك الأجور متناسقة مع إنتاجية العامل، وأن لا تكون مرتفعة بحيث ينجم عنها فشل الشركات العاملة لديهم. لقد تركزت استراتيجية تلك الدول على تشجيع الطلب على العمل من خلال زيادة الإنتاجية وتحسين الظروف الاقتصادية وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، ما أدى إلى ارتفاع الأجور، وفي نفس الوقت زيادة الإنتاج وارتفاع معدلات النمو. كان هذا جزء من استراتيجية التنمية في دول شرق آسيا، ولا بأس من الاستفادة منه هنا.

HS

حذار من الركود القادم

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏31/07‏/2011

تواجه السلطة الوطنية أزمة مالية خانقة، واضطرت الحكومة لصرف نصف راتب عن شهر حزيران لموظفي القطاع العام، وعللت ذلك بعدم وصول المساعدات الدولية كما كان مقررا ومتفقا عليه، وعدم قدرة السلطة الوطنية على الاقتراض من البنوك بعد أن وصلت مديونيتها للقطاع المصرفي سقفا لا يمكن تجاوزه. ولم تحدد الحكومة موعدا لاستكمال بقية المبلغ، كما لا يعرف أحد إذا كانت الحكومة ستدفع راتب شهر تموز والأشهر التي تليه بنفس الطريقة أم بنسبة أكبر أو أقل، ولكنها ألمحت إلى إمكانية أن تفعل الشيء ذاته ما لم تصل المساعدات المطلوبة.

ليس هناك شك بأن السلطة الوطنية ستفي بالتزاماتها تجاه الموظفين، وقد أكّد رئيس الحكومة على ذلك في مناسبات عديدة. ولكن ما يعنينا في هذا المقال هو تأثير التأخير وعدم الانتظام في صرف الرواتب على الاقتصاد الفلسطيني، وبالذات على معدلات النمو والبطالة وغيرها من المؤشرات الكلية، خصوصا وأن النتائج الأولية للربع الأول من العام 2011 تشير إلى انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بحوالي نصف بالمائة في الأراضي الفلسطينية (حوالي 5.5 في المائة في الضفة الغربية)، وهو ما أثار بعض القلق من احتمال أن نكون على أعتاب ركود اقتصادي. فكيف ستبدو الصورة في الفترة القادمة إذا استمرت أزمة الرواتب؟

التأثير المباشر لدفع نصف الراتب، أو أي جزء منه، هو انخفاض الإنفاق الاستهلاكي للعائلات الفلسطينية. فإذا كانت ربع قوة العمل تعمل في القطاع الحكومي (الذي لن يستلم راتبه بالكامل) والربع الآخر عاطل عن العمل (وليس لديه راتب أصلا)، فيمكن أن نتصور حجم التدهور في القدرة الشرائية للمستهلك الفلسطيني، خصوصا ونحن على أبواب مجموعة من المناسبات، ابتداء من شهر رمضان المبارك وعيد الفطر وعيد الأضحى، وبينهما موسم بدء العام الدراسي للجامعات والمدارس. ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فهناك مجموعة أخرى من الانعكاسات والتأثيرات السلبية على الإنفاق الاستهلاكي الخاص، من بينها التغير في توقعات المستهلكين وسلوكهم. فاستلام جزء من الراتب وعدم معرفة ما سيحدث لبقية الراتب ورواتب الأشهر القادمة سوف يدفع المستهلك، في الغالب، إلى محاولة ادخار جزء ، ولو بسيط، من المبلغ الذي يستلمه تحسّبا للأيام العجاف القادمة وللطوارئ التي أشعلت نذرها الإشارات التي أرسلتها الحكومة عن عدم انتظام الراتب أو انقطاعه. كما قد يلجأ المستهلك إلى إعادة ترتيب أولويات إنفاقه بحيث يتم التركيز على الحاجيات الأساسية وتأجيل المشتريات التي يمكن تأجيلها، وبالذات الأثاث والسيارات والشقق السكنية والأجهزة الكهربائية وغيرها.

وهذا يعني أن الحركة التجارية سوف تصاب بضربة قاسية إذا استمرت الأزمة، فالتجار الذين قاموا بتكديس البضائع استعدادا لشهر رمضان المبارك والمناسبات التي تليه سوف يفاجأون بضعف الطلب على منتجاتهم، ما يعني زيادة المخزون لديهم بشكل لا تتحمله جيوبهم وموازناتهم، خصوصا إذا كان هؤلاء التجار قد اشتروا تلك البضائع على الحساب أملا بتسديد قيمتها بعد انتهاء الموسم. وقد يضطرون لتخفيض أسعارهم، ما يعني تخفيض أرباحهم وربما تكبدهم خسائر متفاوتة.

يقود ذلك إلى الحديث عن الاستثمار الذي سوف يتأثر سلبا لسببين رئيسيين على الأقل، الأول انخفاض السيولة الذي سيؤدي إلى تدني الاستثمارات الخاصة، وربما تسييل بعض الاستثمارات الموجودة على شكل أسهم وغيرها، والثاني حالة عدم التقين وعدم الاستقرار التي يمكن أن تؤدي إلى إحجام المستثمرين عن وضع أموالهم في السوق الفلسطينية. ينطبق ذلك على الاستثمارات الأجنبية كما ينطبق على الاستثمارات المحلية. وربما نشهد انخفاضا في حجم التداول وأسعار الأسهم في السوق المالي الفلسطيني خلال الفترة القادمة، خصوصا إذا طالت الأزمة. وبالنسبة للبنوك، فيمكن أن يؤدي عدم انتظام الرواتب أو توقفها إلى تردد البنوك في منح قروض جديدة للمستهلكين أو للتجار أو للمستثمرين الصناعيين، ما يعني انخفاض الإنفاق لهذه المجموعات بشكل أكبر مما ذكر أعلاه.

أما بالنسبة للإنفاق الحكومي، فبالإضافة إلى عدم توفير الرواتب للعاملين في القطاع العام وعدم القدرة على تسديد الالتزامات الجارية الأخرى، قد تضطر الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية مختلفة تشمل تجميد مشاريع تطويرية وتخفيض بعض النشاطات الأخرى. وهذا يعني انخفاضا كبيرا في الإنفاق الحكومي الذي كان المحرك الرئيسي لعملية التنمية خلال السنتين الماضيتين.

سوف تنعكس كل هذه الأمور بشكل مباشر على الطلب الكلي، وسوف يكون التأثير غير المباشر مضاعفا، ذلك أن كل دولار أو دينار يتم إنفاقه من أحد الأشخاص يمثل دخلا لشخص آخر، وهذا الشخص الآخر يدخر جزءا بسيطا من هذه الزيادة في الدخل وينفق الجزء الأكبر منها في شراء احتياجاته المختلفة من أشخاص آخرين يقومون، بدورهم، بادخار جزء بسيط من الزيادة الجديدة في الدخل وإنفاق جزء كبير مما يحصلون عليه، وهكذا. وبالتالي فإن انخفاض الإنفاق الكلي سوف يؤدي إلى انخفاض مضاعف في الدخل والإنتاج والتوظيف، وهو ما يطلق عليه الاقتصاديون “تأثير المضاعف”.

بقي أن نقول أن الأمر يتوقف على أمرين رئيسيين، أولهما كم ستطول هذه الأزمة. إذا تمت معالجة الأزمة خلال فترة قصيرة، فقد يكون من الممكن تجنب الكثير من انعكاساتها السلبية، بل وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه خلال فترة معقولة. أما إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، فإن حجم الركود سيكون أطول مما يمكن أن يتحمله الاقتصاد الفلسطيني، ما قد ينعكس على زيادة معدلات البطالة بشكل أكبر مما هي عليه الآن، وبما يعني انخفاض معدلات النمو إلى مستويات كنا نود اعتبارها جزء من الماضي. والأمر الثاني هو كيف ستتصرف الحكومة والبنوك خلال الفترة القادمة. لأسباب تبدو واضحة، فإن الحكومة سوف تتبع سياسة تقشفية انكماشية لتقليل العجز في الموازنة، في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى اتباع سياسة توسعية تعالج فيها مشكلتي البطالة والتباطؤ في النمو ولكنها لا تملك الأدوات اللازمة لها. وإذا عمدت البنوك أيضا إلى الحد من الإقراض للأفراد والمؤسسات التجارية والصناعية والزراعية فقد يؤدي ذلك إلى تفاقم الركود واستدامته. أما إذا قامت البنوك بصرف الجزء المتبقي من رواتب الموظفين، على غرار ما قام به بنك فلسطين، أو تقديم سلفة بقيمة الراتب أو جزء منه، كما فعلت بعض البنوك الأخرى، فسوف يخفف ذلك من عمق المشكلة ولو بدرجة محدودة.

HS

 نعم للأسعار الاسترشادية.. ولا لتحديد الأسعار

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏14/08‏/2011

ظهرت في الأيام الأولى من رمضان “قوائم استرشادية” لأسعار بعض السلع الغذائية الضرورية للمستهلك الفلسطيني، من بينها اللحوم والخضار والألبان وغيرها. وأثار الإعلان عن هذه القوائم مجموعة من الأسئلة والأمور التي تحتاج إلى توضيح ونقاش.

مثلا، ماذا تعني “الأسعار الاسترشادية”؟ ما خطر ببالي، وأكدته لي الملاحظة (أسفل تلك القوائم) أنها أسعار تهدف إلى “توعية المواطنين وإرشادهم في معرفة السعر المتوقع لكل سلعة”، وبالتالي فهي ليست ملزمة. وإذا كان الأمر كذلك، فماذا تعني الملاحظة الأخرى أسفل تلك القائمة من أن تجاوز تلك الأسعار يعتبر “استغلالا يوجب اتخاذ المقتضى القانوني بحق المخالفين”؟ وما معنى أن يتخذ المقتضى القانوني “بحق كل تاجر يرفع أسعاره لتتساوى مع السعر الاسترشادي لأي سلعة”؟ وما هو المقتضى القانوني الذي سيتم اتخاذه بحق المخالفين؟ ثم إن الجميع يعلم، بما فيهم وزير الاقتصاد ووزير الزراعة  والمدراء العامون في وزارتيهما، أن معظم التجار، إن لم يكونوا جميعهم، يبيعون تلك السلع، أو بعضها على الأقل، بأسعار أعلى من الأسعار الاسترشادية المذكورة في القائمة، ولم نسمع عن أي مخالفات جرت أو مقتضى قانوني تم اتخاذه. أرجوكم، لا تهددوا باتخاذ إجراءات قانونية لا يتم تنفيذها حتى تكون هناك مصداقية واحترام للقوانين، وحتى لا يصبح من السهل والمستساغ أن يتعود الفرد على انتهاك القانون.

هناك الكثير من الدول التي تنشر أسعارا استرشادية لبعض السلع الأساسية، وهو أمر جيد ومقبول، خصوصا إذا كانت تلك الأسعار محسوبة بعناية وبموجب معلومات دقيقة وسليمة حول تكلفة السلعة للمنتج، لأنها توفر معلومات هامة للمستهلك وتسهم في توعيته . ولكن يجب عدم الخلط بين الأسعار الاسترشادية وبين تحديد سقوف سعرية إلزامية لبعض السلع والخدمات، وهو ما يعتبر تدخلا في آلية السوق. وكما يعلم الكثيرون، فهناك مذهبان متناقضان في الاقتصاد، أحدهما يؤمن باليد الخفية (والخفيفة) لآلية السوق (العرض والطلب) باعتبارها كفيلة بتنظيم وتنسيق نشاطات ومصالح الأطراف المختلفة في السوق من بائعين ومشترين دون الحاجة إلى أي تدخل من الحكومة (وهو ما أطلق عليه الاقتصادي المشهور آدم سميث اليد الخفية invisible hand)، والمذهب الثاني يؤمن بالتدخل الحكومي والتخطيط المركزي لتحقيق نفس الأهداف والغايات. وهناك جدال محتدم ومستمر بين مؤيدي هذين المذهبين الاقتصاديين، اقتصاد السوق المتمثل في أقصاه بالنظام الرأسمالي والاقتصاد المركزي المتمثل في أقصاه بالنظام الشيوعي أو الاشتراكي. وظهر بين هذين المذهبين طيف آخر من الأنظمة الاقتصادية يطلق عليه مجازا “الاقتصاد المختلط”، وهو يميل قليلا باتجاه اقتصاد السوق. ولا يعني اقتصاد السوق عدم تدخل الحكومة بالمرة، ولكنه يقصر ذلك على حالات محدودة يفشل فيها نظام السوق من تحقيق نتائج مثالية، مثل وجود آثار جانبية سلبية أو إيجابية، أو وجود احتكار طبيعي، أو لتحقيق بعض الأهداف الاجتماعية والاقتصادية، وربما السياسية.

في فلسطين، التزمت السلطة الوطنية الفلسطينية، منذ قيامها، بنظام السوق. وبالتالي فهي لا تتدخل في آلية السوق، بل تحاول أن تنظم عمل هذه الآلية لتجعلها أكثر كفاءة من خلال سن التشريعات التي تنظم العلاقة بين أطراف السوق المختلفة، وبناء المؤسسات، وتوفير البنية التحتية، وتوفير المعلومات اللازمة للمستهلك والمنتج. وبالتالي فإن نشر أسعار استرشادية لا يعتبر تدخلا في آلية السوق ولا يتناقض مع فلسفة السلطة الوطنية الاقتصادية، بل يأتي متناسقا مع ذلك لأنه يوفر للمستهلك معلومات لا يمكنه الوصول إليها بمفرده حول السعر العادل الذي يتناسب مع تكلفة السلعة. وفي الواقع، فإن سلطة النقد تنشر يوميا أسعارا استرشادية لأسعار بعض العملات، مما يوفر معلومات جيدة للمواطن تحول دون استغلاله.

أما تحديد أسعار السلع من قبل الحكومة فهو أمر مختلف وغير مرغوب، باستثناء حالات ستتم الإشارة إليها بعد قليل. فتحديد سعر للسلعة أقل من سعر السوق يمكن أن يؤدي إلى نقص المعروض من السلعة واصطفاف الناس في طوابير طويلة (كما في طوابير الخبز في بعض الدول المجاورة)، وإلى التضحية بالجودة من خلال استخدام مكونات أقل تكلفة، وبالتالي طرد النوعية الجيدة من السوق وسيطرة السلع ذات الجودة المنخفضة. كما أن استمرار تحديد الأسعار يؤدي إلى ظهور سوق سوداء للسلعة، وهو مشهد كان يتكرر في عدد من الدول التي كانت تحدد أسعار بعض السلع والعملات بأقل من سعر السوق.

هناك استثناءات يمكن فيها تحديد سعر السلعة بشكل إلزامي، فعندما تمنح الحكومة امتيازا لشركة معينة لإنتاج سلعة أو خدمة (مثل الاتصالات والماء والكهرباء وتوزيع الغاز والبنزين) فإنها في الواقع تمنحها قوة احتكارية تسمح لها برفع الأسعار بشكل كبير نتيجة لعدم وجود منافسة، وهو ما يضرّ بالمستهلك. وفي هذه الحالة تستطيع، بل يجب، أن تفرض الحكومة شروطا لهذا الامتياز، خصوصا ما يتعلق بالسعر والجودة وتغطية المناطق البعيدة وغيرها حتى لا يساء استخدام القوة الاحتكارية الممنوحة لتلك الشركات. ويجب مراقبة هذه الأسعار وتطبيق عقوبات صارمة بحق المخالفين، ابتداء من توقيع الغرامات التي ينص عليها القانون وانتهاء بإغلاق محل التاجر أو الموزع المخالف وتوقيع العقوبات الأخرى المنصوص عليها في عقد الامتياز. وهناك تبريرات اقتصادية واجتماعية لمثل هذا التحديد للأسعار، ويتم ممارسته حتى في أكثر الدول الرأسمالية تطرفا، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وغيرها.

ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها المؤسسات الحكومية أسعارا استرشادية لبعض السلع الغذائية، وهذا يفسر بعض الارتباك الذي حدث، مثل صدور قائمتين: واحدة من وزارة الاقتصاد والأخرى من وزارة الزراعة (قبل أن تصدر قائمة معدلة من وزارة الزراعة في وقت لاحق)، والحديث عن المقتضى القانوني في نفس الوقت الذي يتم فيه التأكيد على أن هذه الأسعار استرشادية وليست إلزامية، وإضافة أصناف إلى القوائم بدون تحديد لنوع أو نوعية السلعة، فلا يكفي مثلا أن يكون السعر الاسترشادي للسمك هو 50 شيقل لأن هناك عشرات الأصناف من السمك. كما أني لا أستطيع أن أفهم لماذا تقتصر القائمة على شهر رمضان، وكأننا نسمح للتاجر باستغلال المستهلك بقية شهور السنة.

أعتقد أن نشر الأسعار الاسترشادية فكرة جيدة ولها أهمية للمستهلك باعتبارها مصدرا للمعلومات، خصوصا إذا تم تطويرها بشكل سليم. وأقترح أن يتم تشكيل لجنة خاصة بذلك، تشارك فيها وزارة الاقتصاد ووزارة الزراعة وجمعية المستهلك وممثل عن التجار، وربما آخرون، لتحديد الأسعار الاسترشادية للسلع الأساسية للمستهلك الفلسطيني، خصوصا الخضار والفواكه واللحوم ومشتقاتها، وأن يتم تحديد الأصناف فيها بدقة أكبر حتى يكون هناك معنى للأرقام. ولكي توفر هذه القائمة معلومات حديثة ومفيدة للمستهلك، أقترح أن يتم نشرها بشكل يومي في الصحف اليومية، وأن يستمر ذلك إلى ما بعد رمضان، مع التوضيح أن هذه الأسعار استرشادية، ودون أن يكون هناك أي تلويح أو تهديد بمقتضى قانوني أو خلافه.

 

HS

 الأزمات المالية العالمية وتأثيرها على الاقتصاد الفلسطيني

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏28/08‏/2011

عاش الاقتصاد العالمي أزمتين خانقتين متلاحقتين خلال السنوات الأربع الماضية، اندلعت شرارة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2007 نتيجة أزمة الرهن العقاري، وما صاحبها وتلاها من عمليات إفلاس لكثير من المؤسسات المالية، وصلت ذروتها مع انهيار بنك ليمان براذرز ومؤسسات مالية ضخمة أخرى. وامتدت تلك الأزمة إلى أوروبا وآسيا، وتدخلت الحكومات والبنوك المركزية في كثير من الدول لضخ المليارات من الدولارات في الأسواق تفاديا لانهيار النظام المالي العالمي وتجنبا لكساد عظيم يشبه الذي حدث في أواخر العشرينات من القرن الماضي. وفي الوقت الذي بدا فيه أن الأمور باتت تحت السيطرة وأن السياسات التي اتبعتها الحكومات والبنوك المركزية قد أتت أكلها في إنعاش الأسواق المالية العالمية وطرد شبح الركود الاقتصادي، أطلت الأزمة الجديدة برأسها مع تفجر أزمة الدين العام في الولايات المتحدة وأوروبا، منذرة بأزمة لا تقل خطورة عن الأزمة السابقة. فكيف حدث ذلك؟ وما هي انعكاساته؟

في الولايات المتحدة أدت المبالغ الكبيرة التي ضختها السلطات الأمريكية لتنشيط الاقتصاد إلى زيادة العجز في الموازنة وتفاقم الدين العام الذي تضاعف خلال العقد الماضي، خصوصا في ظل الإنفاق الكبير على حروب أمريكا الطويلة في أفغانستان والعراق وعلى برامج الرعاية الصحية والمعونات الاجتماعية، ونتيجة الاقتطاعات الضريبية الكبيرة (في عهد بوش) وضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي، حتى وصل حجم الدين العام الأمريكي في مطلع آب من هذا العام 14.3 تريليون دولار، أي ما يعادل تقريبا الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية (14.7 تريليون دولار عام 2010). ثم جاء الاتفاق بين الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس لرفع سقف الدين العام، وكان مخيبا للآمال لأنه يزيد من أعباء الدين الأمريكي ويثير شكوكا حول قدرة الحكومة الأمريكية على تسديد التزاماتها، ما دفع شركة ستاندرد أند بور لتخفيض تصنيف سندات الدين الأمريكي.

في أوروبا انفجرت أزمة مشابهة، فقد تراكمت الديون في بعض دول منطقة اليورو حتى أصبح المستثمرون يخشون أن لا تستطيع تلك الدول تسديد ديونها، وهو ما دفع اليونان وأيرلندا والبرتغال إلى طلب مساعدات إنقاذ لأن حكومات تلك الدول وجدت نفسها غير قادرة على الاستدانة وعلى تسديد الديون. وانعكس ذلك على أسواق المال العالمية التي شهدت اضطرابات كبيرة نتيجة القلق من ركود اقتصادي عالمي، وشكوك حول الوضع التمويلي للمصارف الأوروبية التي تمتلك حصصا كبيرة في الديون السيادية، وكذلك المخاوف من انتقال عدوى الديون الأوروبية إلى دول أخرى، وبالذات إسبانيا وايطاليا.

الخلاف الجوهري بين الأزمة الراهنة والأزمة السابقة أن الأزمة السابقة كانت تتعلق بديون القطاع الخاص، وبالذات ديون المصارف والمؤسسات المالية في أمريكا وأوروبا. وعندما انفجرت تلك الأزمة تخلص كثير من المستثمرين من تلك الديون ولجأوا إلى الديون السيادية للحكومات المختلفة في أمريكا وأوروبا. أما في هذه الأزمة، فإن المشكلة الرئيسية هي الديون السيادية نفسها، وعدم قدرة بعض الدول على تسديد تلك الديون، ما جعل المؤسسات والحكومات التي استثمرت في تلك الديون (وخصوصا الصين ودول الخليج وبعض المصارف الأوروبية الكبيرة) تخسر جزءا كبيرا من قيمة استثماراتها. وبدأ الجميع يبحث عن ملاذ آمن جديد للاستثمار، واتجه الكثيرون إلى الذهب مما جعل أسعاره تقفز بشكل غير مسبوق.

في ظل توالي الأزمات وتكرارها تثور تساؤلات حول انعكاسات ذلك وتأثيراته على الاقتصادات المختلفة، ومن بينها الاقتصاد الفلسطيني. عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية السابقة، كانت هناك مخاوف حول تأثيرها على الاقتصاد الفلسطيني، ولكن تبين أن تلك المخاوف لم تكن في مكانها؛ بل على العكس، فقد ارتفعت معدلات النمو خلال الأعوام 2008 و 2009 بنسبة 6% و 7.4%، على التوالي. هذا لا يعني أن تأثير تلك الأزمة كان إيجابيا على الاقتصاد الفلسطيني، ولكنه يعني أن هناك عوامل أخرى ذات تأثير أقوى على هذا الاقتصاد، ساعدت على نموه بالرغم من الأزمة المالية العالمية نفسها، وبالذات تدفق المساعدات الخارجية وتخفيف بعض الإجراءات والقيود الإسرائيلية.

ربما يكون تأثير الأزمة الحالية على الاقتصاد الفلسطيني مختلفا قليلا هذه المرة نتيجة انخفاض قيمة سندات الدين الحكومية ، وليس لدينا معلومات كافية حول حجم استثمارات سلطة النقد والبنوك الفلسطينية في سندات الخزينة الأمريكية أو الأردنية أو غيرها، وبالتالي لا نستطيع تقدير خسائرها نتيجة تدني قيمة تلك السندات.  كما أن احتمال تراجع قيمة الدولار يمكن أن يؤدي إلى انخفاض قيمة احيتاطي سلطة النقد والبنوك الفلسطينية من الدولار والعملات المرتبطة به، وإلى خسارة جزء من قيمة مدخرات الفلسطينيين بهذه العملات، سواء داخل فلسطين أو خارجها، ولكن الأمر يتوقف على مدى تراجع سعر صرف الدولار وحجم تلك المبالغ. وما عدا ذلك، فمن غير المتوقع أن يكون تأثير الأزمة المالية الحالية على الاقتصاد الفلسطيني مختلفا كثيرا عن المرة السابقة من حيث محدوديته. السبب هو أن مصادر النمو في الاقتصاد الفلسطيني داخلية نتيجة الاحتلال الإسرائيلي والحصار الخانق الذي تفرضه سلطات الاحتلال على الأراضي الفلسطينية وغير مرتبطة بشكل مباشر بالأزمات الدولية الخارجية. فالمصدر الرئيسي لنمو الاقتصاد الفلسطيني كان، ولا يزال، الإنفاق الحكومي الذي يعتمد على ثلاث قنوات رئيسية، الأولى مساعدات الدول المانحة وهي ذات طابع سياسي غير مرتبط بالأزمة المالية العالمية، والثانية عائدات الجمارك والضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الوطنية (المقاصة)، وهي تتأثر بحجم الواردات والعمالة في إسرائيل وتأثير الأزمة العالمية عليها محدود، والثالثة الضرائب المحلية التي قد تنخفض قليلا نتيجة التباطؤ الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية، ولكن يمكن زيادتها عن طريق تحسين الكفاءة في تحسين الجباية ومنع التهرب الضريبي. المصدر الثاني للنمو هو الاستهلاك الخاص والذي يعتمد على انتظام السلطة الوطنية في دفع رواتب موظفي القطاع العام واستمرار تحويلات العاملين في الخليج وإسرائيل، وتأثير الأزمة المالية العالمية عليها محدود وغير مباشر. أما الصادرات الفلسطينية، فهي أيضا لن تتأثر كثيرا بالأزمة المالية لأنها ضعيفة أصلا ومحصورة بشكل كبير في إسرائيل (التي قد تتأثر بأزمة الدين الأمريكي وتخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة). أما الاستثمار الخاص فمن المحتمل أن يتأثر بالتطورات الاقتصادية العالمية والاضطرابات في أسواق المال الأمريكية والأوروبية نتيجة حالة الهلع التي تصيب المستثمرين في مثل هذه الظروف، ولكنه يتأثر أكثر بالتطورات السياسية في البلدان المجاورة، وبالذات التحولات السياسية والحركات الشعبية في المنطقة، وتعثر عملية السلام، وغموض الوضع السياسي في الأراضي الفلسطينية بانتظار استحقاقات أيلول.

في الخلاصة، قد يحدث ركود في الاقتصاد الفلسطيني، ولكن ليس بسبب الأزمة المالية العالمية وإنما بسبب عدم التزام الدول المانحة بالتزاماتها تجاه السلطة الوطنية، وإمكانية توقف إسرائيل عن تحويل مستحقات السلطة الوطنية، أو قيام إسرائيل بإجراءات انتقامية لردع السلطة من التوجه إلى الأمم المتحدة، أو غيرها. أما الأزمة المالية العالمية نفسها، ففي الأغلب أن تأثيرها على الاقتصاد الفلسطيني سيكون محدودا وغير مباشر.

HS

 دروس من الثورات العربية .. لمن يهمه الأمر

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏11/09‏/2011

قبل بضعة أسابيع، دعت شركة باديكو إلى ورشة عمل حول التحديات الناجمة عن التحولات السياسية العربية أمام القطاع الخاص الفلسطيني وسبل مواجهتها. كانت هناك أسئلة كثيرة وأجوبة وآراء أكثر حول ما حدث، ولماذا حدث، ولماذا في هذه المنطقة بالذات، وانعكاسات ذلك على القطاع الخاص. وكان البعض يرى أن سبب اندلاع الثورات العربية هو البطالة والفقر.. ولم أكن من مؤيدي هذا الاستنتاج، فالشعارات التي ظهرت في ميدان التحرير وغيره لم تطالب برغيف الخبر وسندويش الهمبورغر والكنتاكي (بالرغم من أنهم حاولوا تصويره كذلك في البداية)، ولكنها كانت تطالب بالحرية والعدالة والديمقراطية، وكانت تطالب بإسقاط النظام الذي كان يمثل لهم الظلم والفساد. أما البطالة والفقر فهما نتائج الفساد وليس أسبابه.

وكان هناك من يقول أن الظلم موجود في كل مكان، والفساد موجود في كل مكان.. في أمريكا وأوروبا وآسيا.. ولم تحدث ثورات. ويتساءل، لماذا يختلف الأمر في العالم العربي؟ في رأيي أن المشكلة ليست فقط في الفساد نفسه، وإنما المشكلة الحقيقية هي في كيفية التعامل مع الفساد. في الدول المتقدمة (ليس اقتصاديا وإنما فكريا وثقافيا) هناك تشريعات واضحة ضد الفساد، وهناك قضاء ومؤسسات نزيهة لمكافحة الفساد، وهناك تطبيق حازم للقضاء على الفساد. شاهدنا العدالة تأخذ مجراها ورأينا حكومات تسقط وشركات تنهار وأشخاص يودعون السجون في تلك الدول بسبب قضايا فساد.  أما في الدول المتخلفة، فالجميع يعرف أن هناك فسادا، يسمعون به ويتحدثون عنه ولكن أحدا لا يفعل شيئا حقيقيا لمكافحته، ما جعله يتفشى ويترعرع وينفجر. هذا ما حدث في مصر وتونس وليبيا وغيرها. كان هناك فساد وظلم ونهب، ولم يحدث شيء لوقف ذلك، ما ولّد إحباطات كبيرة فجّرت معها ثورات عارمة أطاحت برؤوس وعروش.

كان هناك أيضا من يقول أن ثورة الشباب كانت موجهة نحو القطاع الخاص بسبب تحالف وتواطؤ هذا القطاع مع الأنظمة الحاكمة، ويقدمون أمثلة من مصر وسوريا وتونس وليبيا عن مجموعة من رجال الأعمال استغلوا نفوذهم للإثراء الفاحش والسريع من خلال علاقاتهم بتلك الأنظمة، وهم ينصحون رجال الأعمال الفلسطينيين بالابتعاد عن رجال الحكم. ربما يكون في ذلك بعض التجنّي على القطاع الخاص ، فثورة الشباب لم تكن موجهة ضد رجال الأعمال أو ضد القطاع الخاص، ولهذا لم يهاجم شباب الثورة المحلات التجارية ولا البنوك ولا السوق المالي ولا المصانع ولا دور السينما.. نعم، كان هناك رجال أعمال فاسدون أمثال أحمد عز وحسين سالم ورشيد محمد رشيد في مصر، ولكن كان هناك أيضا رجال جيش فاسدون أمثال حبيب العدلي، وأساتذة جامعات فاسدون أمثال يوسف بطرس غالي وأحمد نظيف.. ولكنهم جميعا كانوا جزءا من نظام فاسد، وكانت الثورة موجهة ضدهم بصفتهم فاسدين، وليس بصفتهم رجال أعمال أو أساتذة جامعة أو ضباط شرطة. وبالمقابل، كان هناك رجال أعمال شرفاء وأساتذة جامعات شرفاء، ونجوم سينما شرفاء وقفوا جميعا مع الثورة..

لقد سلطت الثورات العربية الضوء على الفساد بأشكاله المختلفة وعلى تأثيره وانعكاساته على البطالة والفقر والنمو، بل إن هناك من يرى أن أحد أسباب تخلف الكثير من الدول هو انتشار الفساد نظرا لتأثيره السلبي على التنمية وتشويه مناخ الاستثمار في الدولة، وضعف القدرة التنافسية، وفقدان الثقة بالمؤسسات الوطنية. وبالرغم من صعوبة الحصول على أرقام دقيقة، فإن بعض المصادر تقدر حجم الخسائر المالية الناتجة عن الفساد في الدول النامية وحدها ما بين 20 إلى 40 مليار دولاراً أمريكياً في السنة. بل إن أمين عام المنظمة العربية لمكافحة الفساد قدّر تكلفة الفساد في الدول العربية بحوالي 1000 مليار دولار خلال خمسين عاما (1950 – 2000). وهناك من يرى أيضا أن الكثير من الأزمات المالية التي عانى منها الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة ناجمة عن أشكال مختلفة من الفساد المالي والإداري، ويقدمون أمثلة على ذلك في الأزمة المالية لدول جنوب شرق آسيا عام 1997 وأزمة الرهن العقاري عام 2007 وأزمة الديون الأوروبية الحالية وانهيار شركات ضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية، مثل شركة آرثر أندرسون للتدقيق وشركة انرون وشركة الاتصالات العملاقة وورلد كوم وغيرها. وقد زاد ذلك من الاهتمام العالمي بالحوكمة والنزاهة والشفافية ومكافحة الفساد في القطاعين، العام والخاص.

في فلسطين، كان الاهتمام بالفساد وانعكاساته كبيرا منذ إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية. فقد كانت هناك اتهامات متكررة للسلطة الوطنية بالفساد، بعضها حقيقي وبعضها مسّيس، وكانت هناك تحقيقات على مختلف المستويات أعقبها برامج وخطط للإصلاح السياسي والمالي والإداري. كما صدرت تشريعات متفرقة لمكافحة الفساد، وظهرت مؤسسات عديدة مهتمة بهذا الأمر مثل مؤسسة أمان للنزاهة، واللجنة الوطنية للحوكمة، ولجنة مكافحة غسل الأموال، والمعهد الفلسطيني للحوكمة، وهيئة مكافحة الفساد، وصدرت مدونات للحوكمة من هيئة سوق راس المال (تغطي الشركات المساهمة العامة والخاصة) ومن سلطة النقد (تغطي الجهاز المصرفي)، وأحيلت قضايا فساد إلى النائب العام تناولت شخصيات كبيرة نشرت عنها الصحف اليومية ووسائل الإعلام الشيء الكثير.

لا أحد ينكر أهمية هذا الحراك الكبير في موضوع الفساد في فلسطين، ولا أحد يقلل من دور هذه التشريعات والمؤسسات والمدونات في زيادة الوعي بمخاطر الفساد وآثاره وبأهمية الحوكمة وتأثيرها على الأداء الاقتصادي، ولكن المشكلة، كما ذكرنا سابقا، ليست فقط في التشريعات والمؤسسات، ولكن في متابعة قضايا الفساد واتخاذ إجراءات بحق المتورطين فيها، سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص، حتى لا تصبح تلك التشريعات حبرا على ورق، وحتى لا تكون تلك المؤسسات عديمة الأهمية، وحتى لا يولد الشعور بالإحباط تراكمات تهدد بالانفجار، وعندئذ يمكن أن يحدث ما نخشاه.

HS

 التقارير الدولية وجاهزية الدولة

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏25/09‏/2011

التقارير التي صدرت مؤخرا من الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي حول الاقتصاد الفلسطيني أكدت على جاهزية السلطة الوطنية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة؛ بل إن تقرير البنك الدولي أشار إلى أن كفاءة وقدرة مؤسسات السلطة الفلسطينية تفوق كثيرا مثيلاتها في عدد من دول المنطقة. وهذه ليست المرة الأولى التي تصدر فيها مثل هذه الشهادة من المؤسسات الدولية، فقد أصدرت هذه المؤسسات عدة تقارير سابقة تؤكد ذلك، كانت آخرها التقارير المقدمة إلى اجتماع الدول المانحة في بروكسل في شهر نيسان الماضي. ولكن أهمية التقارير الحالية تكمن في أنها تأتي في الوقت الذي تتقدم فيه فلسطين بطلب الانضمام إلى الأمم المتحدة، وأنها تأتي بعد عامين من انطلاق خطة الحكومة الفلسطينية “إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة”، كما أنها تأتي بعد أن وصلت المفاوضات والمسيرة السياسية إلى طريق مسدود.

على الصعيد الاقتصادي، لم تحمل هذه التقارير مفاجآت كثيرة، فقد أشارت، كلها أو بعضها، إلى ما كنا قد ذكرناه سابقا من أن النمو الذي حققه الاقتصاد الفلسطيني خلال الأعوام الثلاثة السابقة لم يكن مستداما نظرا لاعتماده على الإنفاق الحكومي الممول من المساعدات الخارجية وليس نتيجة لنشاط واستثمارات القطاع الخاص الذي عرقلته المعوقات والقيود الإسرائيلية. كما أشارت هذه التقارير إلى تباطؤ ملحوظ في النمو الاقتصادي في الضفة الغربية منذ مطلع العام الحالي نتيجة التقشف المالي الذي تقوم به الحكومة، ونتيجة النقص في المساعدات الأجنبية، خصوصا من المانحين الإقليميين، ما ترتب عليه حدوث أزمة حادة في السيولة النقدية للسلطة الوطنية انعكست في عدم قدرتها على دفع الرواتب بالكامل في بعض الشهور الماضية، إضافة إلى استمرار القيود الإسرائيلية المعيقة لحركة الأشخاص والبضائع، وتعثر عملية السلام بعد مفاوضات عبثية استمرت سنوات طويلة.

ما الذي يعنيه هذا الحديث عن جاهزية الدولة وفي نفس الوقت عن عدم استدامة النمو الاقتصادي؟ لقد أشار البنك الدولي في مقدمة تقريره الأخير إلى العلاقة القوية بين النمو الاقتصادي المستدام وبناء مؤسسات قوية، وأكّد أن الأخطار السياسية والاقتصادية التي تحيق بالاقتصاد الفلسطيني يمكن أن تقوّض الإنجازات المؤسسية التي تحققت على مدى العامين المنصرمين، وأن استمرار الأزمة المالية لفترة طويلة يعرض للخطر المكتسبات التي تحققت بجهد كبير على صعيد بناء المؤسسات خلال السنوات الماضية، ما يعني أن الجاهزية لقيام دولة فلسطينية مستقلة يمكن أن تتآكل إذا لم يصاحب ذلك قوة اقتصادية مستدامة تعتمد على القدرة الذاتية للاقتصاد الفلسطيني. وجاء التقرير الذي قدمه منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط إلى اجتماع لجنة المانحين الدولية الأسبوع الماضي بعنوان  “بناء الدولة الفلسطينية : إنجاز في خطر” ليعكس هذا الاستنتاج، كما يتضح من العنوان نفسه. وقد أشار التقرير إلى أن نقص معونات المانحين، والقيود التجارية التي تفرضها إسرائيل، وحالة الشلل السياسية تشكل عوامل تهدد بإفساد الجهود الفلسطينية لبناء مؤسسات قوية واقتصاد يتمتع بمقومات الحياة. ويؤكد روبرت سيري، منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام أنه إذا استمر الوضع كما هو بعد استحقاق أيلول، فإنه “ليس ثمة ما يمكن إنجازه في ظل ظروف الاحتلال الطويل وعدم تسوية قضايا الوضع النهائي وعدم تحقيق أي تقدم جاد فيما يخص حل الدولتين واستمرار الانقسام الفلسطيني.”

لا نعرف كيف ستؤول الأمور في أعقاب التصويت على عضوية فلسطين في مجلس الأمن أو في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ولكننا نتوقع أن لا تنصاع إسرائيل للإرادة الدولية حتى لو أصبحت فلسطين عضوا في الأمم المتحدة، بل نتوقع – إذا تم ذلك – أن تتخذ إسرائيل خطوات عقابية، تم التهديد بها كثيرا في الآونة الأخيرة، ربما تشمل تسريع النشاطات الاستيطانية، وضم الكتل الاستيطانية الكبرى، وإلغاء اتفاقيات أوسلو، وزيادة القيود التي تفرضها إسرائيل على حركة الأشخاص والسلع في الأراضي الفلسطينية، ومصادرة العائدات الضريبية المستحقة للسلطة الوطنية، وتحريض دول أخرى على تقليص المساعدات للفلسطينيين وغيرها، ما يهدد بتفاقم الأزمة المالية في الأراضي الفلسطينية وبتراجع أكبر في النمو الاقتصادي، وهو ثمن أبدى الفلسطينيون استعدادهم لدفعه مقابل حصولهم على دولة مستقلة.

لا أحد يشكك في جاهزية مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية لإقامة الدولة، ولا أحد يشكك في قدرة القيادة الفلسطينية على إدارة مؤسسات الدولة، ولكن هذه الجاهزية لا تزال غير مكتملة، ومهددة بكثير من التحديات والمخاطر الناجمة عن العراقيل والمعيقات الإسرائيلية التي تحاول تدمير الاقتصاد وهدم مؤسساته. وقد أكد تقرير البنك الدولي على ذلك حين أشار إلى أن المحافظة على زخم الإصلاحات والمنجزات التي حققتها السلطة الفلسطينية في بناء المؤسسات يتطلب بالضرورة إزالة القيود الإسرائيلية والسماح بالوصول إلى المصادر الطبيعية والأسواق، ما يسمح بانتعاش القطاع الخاص، ويؤدي بالتالي إلى نمو القاعدة الضريبية وتقليص الاعتماد على المساعدات الخارجية تدريجيا.

ما هو مطلوب من السلطة الوطنية خلال ذلك هو استكمال جاهزية الدولة من خلال استمرار برامج الإصلاح المالي والإداري، وزيادة كفاءة القطاع العام، وتحفيز القطاع الخاص من خلال تحسين البيئة الاستثمارية، وإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني، وتعزيز القدرة الذاتية للاقتصاد الفلسطيني بغية الاستغناء عن المعونات الخارجية وبغية تحقيق نمو مستدام في الأراضي الفلسطينية. التصريحات التي أدلى بها رئيس الحكومة بعد مشاركته في مؤتمر المانحين الأخير في نيويورك تظهر أنه يدرك ذلك تماما.

HS

 جدلية العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏09/‏10/2011

حظيت العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص باهتمام كبير، تجلّى في عدد لا ينتهي من المؤتمرات والندوات والدراسات حول طبيعة هذه العلاقة وأهميتها وانعكاساتها، وتركز الجدل فيها بشكل رئيسي حول دور كل من القطاع العام والقطاع الخاص، وهو جدل يرتبط بطبيعة وفلسفة وهوية النظام الاقتصادي في الدولة.

في النظام الرأسمالي، الذي يقوم على الملكية الخاصة وآلية السوق والمنافسة، يلعب القطاع الخاص دورا محوريا في قيادة عملية التنمية وتحقيق أهداف المجتمع، من توظيف كامل للموارد وكفاءة في استغلالها وتوجيهها، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، وتحسين مستوى المعيشة، واستقرار الأسعار وغيرها. لا يعني ذلك عدم وجود دور للقطاع العام في النشاط الاقتصادي أو عدم وجود ضوابط لعمل القطاع الخاص، بل إن هناك دورا هاما وفعالا للحكومة ولكنه محدود يتركّز في تنظيم العلاقة بين أطراف الإنتاج، وتوفير البيئة القانونية والمؤسسية الملائمة لتعزيز الكفاءة، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار، وذلك من خلال السياسات المالية والنقدية والتجارية المختلفة. أما في النظام الاشتراكي، فالقطاع العام يقوم بهذه الأدوار من خلال التخطيط المركزي واللجان المركزية، ويكون دور القطاع الخاص محدودا بشكل كبير. ومن الناحية العملية، فإن معظم، إن لم يكن جميع، الأنظمة الاقتصادية المطبقة حاليا في العالم هي أنظمة مختلطة، تتوزع فيها الأدوار بين القطاع العام والقطاع الخاص بدرجات متفاوتة.

في الدول التي يكون فيها النظام الاقتصادي (والسياسي) مستقرا، تكون العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص واضحة وممأسسة من خلال الدساتير والتشريعات والقوانين والأعراف. وعندما يتم تجاوز هذه العلاقة بين القطاعين لسبب من الأسباب، كما حدث عندما قامت الحكومة الأمريكية خلال أزمة الرهن العقاري مؤخرا بمساعدة بعض شركات القطاع الخاص، مثل شركة جنرال موتورز والمجموعة الأمريكية العالمية للتأمين (AIG) وغيرها، يكون ذلك استثناء يثير كثيرا من الانتقادات والتعليقات بالرغم من أن هناك ما يبرره على مستوى المصلحة الوطنية العليا. أما في الاقتصادات التي تشهد تحولات سياسية واقتصادية، كما في الدول النامية أو الدول التي تنتقل من نظام التخطيط المركزي إلى اقتصاد السوق، مثل دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فتكون هذه العلاقة غير مستقرة وغير ممأسسة وتحتاج إلى فترة لتحقيق التوازن. وهناك الكثير من الكتابات حول هذا الموضوع، ربما كان أبرزها تقرير البنك الدولي حول التنمية بعنوان “من الخطة إلى السوق” (1996).

في فلسطين، كان القطاع العام خلال سنوات الاحتلال غائبا، وكان القطاع الخاص ضعيفا ومشوها نتيجة الإجراءات والسياسات الإسرائيلية المتعنتة والغاشمة. ومع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية بدأ القطاع العام بالتوسع تدريجيا حتى بلغ عدد العاملين فيه حوالي ربع قوة العمل، وتجاوز الإنفاق الحكومي نصف الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني. وظهرت في البداية تشوهات كثيرة في علاقة القطاع العام مع القطاع الخاص تمثلت في احتكار القطاع العام لبعض السلع التي ينتجها عادة القطاع الخاص، والاستثمارات الكبيرة للسلطة الوطنية في عدد من شركات القطاع الخاص الفلسطيني، ومنح امتيازات لبعض المؤسسات بدون ضوابط وتشريعات مناسبة، ما أثار شبهات بالفساد واتهامات بعدم الكفاءة وتجاوزات لمفهوم نظام السوق الذي تبنته السلطة الوطنية الفلسطينية منذ قيامها. وقد جرت محاولات كثيرة وبرامج عديدة للإصلاح المالي والإداري ولبناء مؤسسات الدولة لتحديد دور القطاع العام في السلطة الوطنية الناشئة، ونجح جزء كبير من هذه المحاولات بشهادة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي ومؤسسات الأمم المتحدة وغيرها. أما القطاع الخاص، فقد تطور بشكل ملحوظ خلال الفترة التي تلت قيام السلطة الفلسطينية، ولكنه ظل ضعيفا وغير قادر على القيام بدوره كقائد لعملية التنمية نتيجة لتفاقم الإجراءات والمعيقات الإسرائيلية لحركة الأفراد والسلع، واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وعدم وجود بيئة مواتية للاستثمار في فلسطين.

في الوقت الراهن، يعاني الاقتصاد الفلسطيني من مشاكل متراكمة عديدة، أبرزها مشكلتي البطالة والفقر وضعف الاستثمار والعجز في الميزان التجاري والعجز في الموازنة وتراجع النشاط الاقتصادي. ولا يبدو أن القطاع العام قادر على معالجة هذه المشاكل بدون دعم وتنسيق مع القطاع الخاص. كما أن قدرة القطاع الخاص على المساهمة في معالجة هذه المشاكل تبدو محدودة بسبب ضعف هذا القطاع وعدم توفير البيئة المناسبة له. وقد نجم عن ذلك استمرار هذه المشاكل وتفاقمها بشكل أصبحت فيه وكأنها مستعصية على الحل. في اعتقادي أن جزءا كبيرا من الحل يكمن في قيام شراكة حقيقية بين القطاع العام والقطاع الخاص تقوم على تفاهم حول دور كل قطاع وحول طبيعة العلاقة بينهما، وتقوم على أسس واضحة ترتكز على التكاملية بدلا من المنافسة، وعلى المشاركة بدلا من الاستفراد، وعلى تبادل الرأي بدلا من الهيمنة. هناك مؤشرات على عدم وضوح هذه العلاقة أو عدم رضى الأطراف عنها، من بينها مقاطعة بعض القطاعات الرئيسية في القطاع الخاص للمقاولات الحكومية بسبب عدم استلام المتأخرات المستحقة لهم، وتذمر الصناعيين من عدم قيام الحكومة بما يكفي لحماية المنتج المحلي، وشكوى القطاع الخاص من عدم استشارته عند إصدار بعض القوانين والتشريعات التي تمس مصالحه، وربما كان آخرها قانون ضريبة الدخل، وغيرها. هناك حاجة إلى لقاءات وحوارات أكثر بين القطاع العام والقطاع الخاص، يتم من خلالها ماسسة العلاقة بين هذين القطاعين، بحيث تكون هناك قواعد واضحة للتعامل وتحديد دقيق للأدوار وأساليب مقبول للتعاون والتنسيق.

تستطيع شراكة حقيقية بين القطاع العام والقطاع الخاص في فلسطين أن تسهم إيجابا في عملية التنمية، وأن تعزز القدرة على مواجهة المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني، وأن تبني اقتصادا مقاوما قادرا على مواجهة التحديات التي تفرضها الهجمة الإسرائيلية الشرسة على الاقتصاد والمؤسسات الفلسطينية.

 

HS  

اقتصاد السوق الحر أم اقتصاد السوق الاجتماعي؟

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏23/10‏/2011

سألني صديق قرأ مقالي الأخير حول العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وخصوصا الحديث حول النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي والنظام المختلط: أين يقع اقتصاد السوق الاجتماعي من هذه الأنظمة؟ وما هي إمكانية تطبيقه في فلسطين؟ واستأذنته أن أجيب على ذلك من خلال هذا المقال في “حياة وسوق”، خصوصا وأن موضوع اقتصاد السوق الاجتماعي بدأ يتردد على ألسنة الكثير من المجتهدين والباحثين، وزاد الاهتمام به بعد حركة الاحتجاجات الاجتماعية التي اندلعت مؤخرا في أماكن مختلفة من العالم.

اقتصاد السوق الاجتماعي هو نظام اقتصادي مختلط يجمع بين عناصر من النظام الرأسمالي وعناصر من النظام الاشتراكي، ولكنه أولا وأخيرا اقتصاد سوق يعتمد على الملكية الخاصة لعناصر الإنتاج وعلى آلية السوق والأسعار والمنافسة، وهو بذلك يختلف عن النظام الاشتراكي الذي يعتمد على سيطرة الحكومة على عناصر الإنتاج وعلى التخطيط المركزي في إدارة وتوجيه الاقتصاد، ويختلف أيضا عن اقتصاد السوق الحر في أنه يتيح للحكومة التدخل في النشاط الاقتصادي. من الناحية العملية، لا يوجد حاليا اقتصاد السوق الحر في أي مكان من العالم، فجميع الدول تتدخل في الاقتصاد بدرجات متفاوتة، حتى أكثر الدول المغرقة في الرأسمالية مثل أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية التي تقدم معونات كبيرة للمزارعين وتنفق مبالغ ضخمة على مشاريع الرعاية الصحية والاجتماعية وتتدخل بشكل مباشر لإنقاذ شركات وبنوك متعثرة وغيرها.

 ظهر مصطلح اقتصاد السوق الاجتماعي في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وارتبط اسمه بوزير المالية الألمانية الشهير لودفيغ إيرهارد الذي أصبح بعد ذلك مستشارا لألمانيا في منتصف الستينيات من القرن الماضي. وتقوم فكرة هذا النموذج على أساس تحقيق المزايا التي يمكن أن يوفرها اقتصاد السوق الحر من حيث المرونة والكفاءة، والتغلب في نفس الوقت على الصعوبات الناجمة عن فشل آلية السوق في تحقيق العدالة الاجتماعية، وبالذات المنافسة غير الشريفة والاحتكار وتركيز القوة الاقتصادية في أيدي مجموعة من الشركات والأشخاص وغير ذلك من الآثار الاجتماعية السلبية. ويتم ذلك من خلال تطبيق سياسات حكومية فعالة ذات أهداف اجتماعية مثل المحافظة على حقوق العاملين وتحسين ظروف العمل وحماية الأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة وتحقيق عدالة أفضل في توزيع الدخل والثروة، ولكن بدون تدخل مباشر في آلية السوق. أي أن دور الحكومة في اقتصاد السوق الاجتماعي هو، بالدرجة الأساسية، تنظيم آلية السوق وحماية البيئة التنافسية، بينما يتم تحديد الأسعار من خلال قوى العرض والطلب. وعندما تحدث تشوهات تؤدي إلى الاحتكار أو البطالة يكون تدخل الدولة ضروريا لتخفيف الآثار السلبية للسوق.

نجحت ألمانيا من خلال هذا النظام في بناء اقتصاد قوي وحققت معدلات نمو مرتفعة خلال معظم سنوات القرن الماضي، وهو ما انعكس في انخفاض معدلات البطالة وزيادة الأجور وإطلاق العديد من البرامج الاجتماعية. وطبقت دول عديدة أخرى هذا النموذج بنجاح أيضا، من بينها النمسا وفرنسا وإيطاليا والدول الاسكندينافية ومعظم دول أوروبا الغربية، وخصوصا الدول التي حكمتها الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية. وزاد الاهتمام بهذا النموذج مؤخرا في ظل تزايد حركات الاحتجاج المناهضة للرأسمالية التي شهدتها كثير من دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوربا الغربية، مثل حركة “احتلوا وول ستريت” التي يتهم منظموها الرأسمالية العالمية بأنها مسؤولة عن الفوضى التي يشهدها العالم حاليا، وكذلك حركات الاحتجاج الاجتماعي التي هزت إسرائيل للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وبوضع حد لارتفاع الأسعار وبتعديل السياسات الحكومية الخاصة بالضرائب والسكن والصحة والتعليم والعمل والرفاه. بل إن إقالة فارس شرف محافظ البنك المركزي الأردني السابق تمت بدعوى أنه ليبرالي يؤيد اقتصاد السوق الحر بقوة ويعادي فكر الحكومة المتمثل في اقتصاد السوق الاجتماعي.

في فلسطين، طالب عدد من المجتهدين بتطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي، وتساءل بعض المهتمين عن إمكانية تطبيق هذا النظام في ظل الظروف التي تعيشها الأراضي الفلسطينية حاليا. وللتوضيح، فإن نجاح اقتصاد السوق الاجتماعي يتطلب تحقيق مبدأين، أولهما أن تضمن الحكومة حرية عمل السوق بشكل فعال من خلال التأكد من وجود منافسة قوية تضمن أسعارا معقولة للمستهلك وأرباحا معقولة للمنتج وضمان الحرية الفردية من خلال التشريعات التي تشجع المنافسة وتمنع الاحتكار وتحد من سوء استغلال القوة الاحتكارية للشركات، وثانيهما توفير نوع من العدالة الاجتماعية من خلال تعويضات البطالة والتأمينات الصحية ورواتب التقاعد كجزء من نظام متكامل للضمان الاجتماعي. ونظرا للصعوبة في تطبيق هذين المبدأين في آن واحد، فإن المهمة الرئيسية للحكومة هي تحقيق توازن مقبول بين هذين المبدأين.

مما لا شك فيه أن الحكومة الفلسطينية تسعى منذ سنوات لإضفاء صبغة اجتماعية على سياساتها الاقتصادية بما يتناسب مع مبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، تمت زيادة مخصصات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وتم توسيع دائرة المستفيدين من شبكة الأمان الاجتماعي وزيادة برنامج المساعدات الطارئة الذي تديره وزارة الشؤون الاجتماعية ومخصصات الأسرى وغيرها. ولكن ، بالمقابل، ظل هناك الكثير من البرامج التي يتطلبها نظام السوق الاجتماعي؛ وهي برامج ذات تكلفة ضخمة لا تستطيع السلطة الوطنية توفيرها في ظل الاعتماد المطلق على المساعدات الخارجية وضعف الحصيلة الضريبية والعجز الكبير في الموازنة العامة وعدم وجود نظام للضمان الاجتماعي. من ناحية أخرى هناك بيئة سياسية واقتصادية غير مواتية لتطبيق هذا النظام، بما في ذلك عدم وجود بيئة وقوانين ومؤسسات تشريعية ورقابية شفافة وقوية لدعم وحماية المنافسة ومنع الاحتكار والممارسات الاحتكارية وضمان حقوق العاملين والحد من التفاوت بين الطبقات في المجتمع.

التحول التدريجي إلى اقتصاد السوق الاجتماعي جيد ويستحق المحاولة، ولكن هذا النظام له تكلفته وله متطلباته، وهو يحتاج إلى مجموعة كبيرة من الإصلاحات الشاملة، تشريعية واقتصادية وسياسية، وليس إلى شعارات ونوايا طيبة فقط .

HS

 بروتوكول باريس.. بين التعديل والإلغاء

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏13/11‏/2011

منذ أن تحدث الرئيس أبو مازن أثناء عودته من نيويورك عن رغبة السلطة الوطنية في فتح بروتوكول باريس والجميع يتسابق في عقد اللقاءات والندوات والمقابلات الإذاعية والصحفية، وكأن الجميع كان ينتظر انطلاق إشارة البدء لفتح هذا الملف الذي كان الكثيرون قد تناولوه بالمناقشة والتحليل منذ أن تمت صياغته قبل أكثر من سبعة عشر عاما. وقد أتيحت لي فرصة المشاركة في أكثر من لقاء حول هذا الموضوع خلال الأسابيع القليلة الماضية قامت بها مؤسسات معنية ومهتمة بالأمر، ومنها بكدار وبالتريد ونادي الأعمال الفلسطيني وغيرها، وتحدثت فيها شخصيات مطلعة شارك بعضها في صياغة البروتوكول وتأثر جلّها بانعكاساته.

كان السؤال المطروح هو، ما مصير بروتوكول باريس بعد خطاب الرئيس أبو مازن؟ وتباينت الآراء بين من يقول بضرورة تعديل الاتفاق وبين من يقول بإلغائه وبين من يبحث عن حل وسط. ولكن كان هناك إجماع تقريبا على أن بروتوكول باريس لم يعد صالحا لمعايشة الواقع الفلسطيني الراهن، وأن من غير الممكن، في ظل هذا الاتفاق، تحقيق تنمية مستدامة تتفق مع تطلعات الشعب الفلسطيني وطموحاته ومصالحه. فقد كانت حصيلة سبعة عشر عاما من تطبيق هذا البروتوكول هي استمرار التشوهات الهيكلية في الاقتصاد الفلسطيني، وتدهور القطاعات الاقتصادية الرئيسية فيه، وعرقلة نموه، وضعف القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتفاقم العجز في الموازنة العامة والميزان التجاري، وزيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية، وزيادة ارتهان الاقتصاد الفلسطيني لإسرائيل.

وبالرغم من الاهتمام الكبير الذي حظي به بروتوكول باريس في كثير من اللقاءات والندوات المتخصصة، وبالرغم من معرفة المهتمين به بكثير من بنوده وخباياه، فإن هناك عدم معرفة واعية وواضحة لدى القارئ العادي بطبيعة هذا الاتفاق وتفاصيله، وبالتالي أجد لزاما علي أن أبدأ بمقدمة سريعة للقارئ غير المتخصص تساعده على متابعة النقاش والجدل الدائر حول الموضوع.

يمثل الاتفاق الاقتصادي الفلسطيني–الإسرائيلي (والذي يطلق عليه عادة “بروتوكول باريس”) الإطار الذي يحدد العلاقة الاقتصادية بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية خلال الفترة الانتقالية. وقد تم التوقيع على هذا البروتوكول في باريس في نيسان 1994، وتمت إضافته كملحق (رقم 5) للاتفاقية الإسرائيلية الفلسطينية المرحلية حول الضفة الغربية وقطاع غزة الموقعة في واشنطن في أيلول 1995 (أوسلو 2). يتكون البروتوكول من ديباجة وأحد عشر مادة تتناول عناوين اقتصادية محددة، وتشمل تفاصيل وإجراءات كثيرة، إضافة إلى مجموعة من المرفقات (جداول وذيول ورسائل جانبية). وتتناول المواد التي يشتمل عليها البروتوكول، بالإضافة إلى إطار عمله وأهدافه وآفاقه وإلى تشكيل اللجنة الاقتصادية المشتركة JEC وطريقة عملها وعضويتها ومهامها، مواضيع رئيسية هامة تشمل سياسة وضرائب الاستيراد، والمسائل المالية والنقدية، والضرائب المباشرة، والضرائب غير المباشرة على الإنتاج المحلي، والعمل، والزراعة، والصناعة، والسياحة، وقضايا التأمين.

لقد جرت محاولات عديدة لمناقشة بروتوكول باريس وتقييمه، سواء من الناحية النظرية أو من حيث التطبيق، مع التركيز على المكاسب والخسائر التي حققها أو تسبب بها البروتوكول للاقتصاد الفلسطيني. ولعل من أهم المكاسب التي حققها البروتوكول هو تمكين انتقال عدد كبير من السلطات والصلاحيات المتعلقة بالسياسة الاقتصادية إلى السلطة الوطنية، بما في ذلك أمكانية وضع سياسة صناعية تعمل على تشجيع الاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي، وإقامة سلطة نقدية تتمتع بمعظم صلاحيات البنك المركزي (باستثناء إصدار عملة وطنية)، إضافة إلى بعض المزايا الأخرى المتعلقة بتحصيل الضرائب المباشرة والضرائب على الواردات الفلسطينية ومستحقات الفلسطينيين العاملين في إسرائيل، وغيرها.

أما المشاكل التي يعاني منها البروتوكول فتتمثل بشكل عام في عدم تكافؤ الصلاحيات والسلطات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وهي ناجمة عن التباين والتفاوت في القوة التي كانت موجودة بين الطرفين عند توقيع الاتفاقية، وربما إلى عدم خبرة (أو مهارة) المفاوض الفلسطيني في ذلك الوقت للتعامل مع كثير من المواضيع التي شملها الاتفاق. وربما كان هناك سبب آخر للقبول ببعض تلك البنود، وهو التفاهم الذي كان سائدا حينذاك أن البروتوكول هو اتفاق مؤقت يغطي المرحلة الانتقالية التي يغطيها اتفاق أوسلو، ومدتها خمسة أعوام تنتهي عام 1999، ما جعل من الممكن قبول بعض البنود التي لن تكون مقبولة في اتفاق نهائي. أما النموذج المستخدم في بروتوكول باريس فهو صورة مشوّهة لما يعرف بـ  “الاتحاد الجمركي”، والذي يفترض غياب حدود اقتصادية وعدم وجود عوائق أو قيود على حركة البضائع بين الأعضاء في الاتحاد مقابل وجود تعرفة جمركية موحدة تطبق على الواردات من العالم الخارجي (غير الأعضاء). ومن الواضح أن الهدف من استخدام هذا النموذج هو المحافظة على العلاقات الاقتصادية التي كانت موجودة قبل توقيع ذلك البروتوكول، أي تكريس تبعية الاقتصاد الفلسطيني ودمجه بالاقتصاد الإسرائيلي.

ويمكن إجمال المشاكل التي يعاني منها بروتوكول باريس في ثلاثة مجموعات. المجموعة الأولى تتمثل في النصوص المجحفة التي فرضها الاتفاق على السلطة الوطنية، مثل السماح لإسرائيل بتحصيل الجمارك وضرائب القيمة المضافة نيابة عن السلطة الوطنية الفلسطينية، ما يمكن إسرائيل من تأخير تحويل المبالغ التي تحصّلها نيابة عن السلطة الوطنية كوسيلة للضغط أو العقاب، وترك تحديد الضرائب غير المباشرة بيد إسرائيل (مع مرونة بسيطة لا تتعدى 2%)، وربط استعادة إيرادات الضرائب عن البضائع التي يكون مقصدها الأراضي الفلسطينية بالتحديد، والسماح لإسرائيل بإدخال تغييرات في سياسة الاستيراد والمعايير وإجراءات التصنيف والتقييم والجمارك، وترك السيطرة الكاملة لإسرائيل على الحدود الخارجية والمعابر، وعدم وجود آلية للتحكيم عند الاختلاف من طرف ثالث.

أما المجموعة الثانية من المشاكل فتتمثل في التطبيق الانتقائي لبنود الاتفاق، حيث لم تلتزم إسرائيل بتطبيق بنود البروتوكول وتجاهلتها كلما كان ذلك مناسبا لها، ما أفرغ الكثير من نصوصه من مضامينها الحقيقية. فمثلا، لم تسمح إسرائيل بحرية انتقال الأشخاص والبضائع والأموال التي أكدت عليها بنود الاتفاق، ومارست أنواع مختلفة من العوائق للحيلولة دون ذلك مثل فرض التصاريح للذين يريدون التنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة أو منهما إلى إسرائيل، وتقييد حرية المستورد والمصدر الفلسطيني لاستعمال المطارات والموانئ الإسرائيلية بالرغم من أن البروتوكول ينصّ على أن للفلسطينيين حرية استعمال تلك المرافئ بدون أي تمييز، إضافة إلى سياسة الإغلاق ونقاط التفتيش العديدة التي أقامتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، واستخدام عوائق غير جمركية لعرقلة الصادرات الفلسطينية كالاعتبارات الأمنية والمواصفات والمقاييس الفنية والصحية، وكذلك الأمر بالنسبة للسلع الزراعية التي كان من المفروض رفع القيود عنها بعد خمس سنوات من توقيع البروتوكول ولم يتم ذلك حتى الآن.

المجموعة الثالثة من المشاكل تتمثل في الفرص الضائعة التي كان يمكن للفلسطينيين الاستفادة منها من بنود الاتفاق الحالية ولكن السلطة الوطنية لم تستطع استغلال تلك البنود لصالحها بشكل سليم، مثل إنشاء مؤسسة للضمان الاجتماعي يتم تحويل استقطاعات تأمين التقاعد التي تجبيها إسرائيل إليها، بما في ذلك حقوق التقاعد المستحقة للعمال الفلسطينيين في إسرائيل والتي جمعتها إسرائيل قبل دخول البروتوكول حيز التنفيذ، وإمكانية استيراد بعض السلع من مصر والأردن، بما في ذلك البنزين والاسمنت (بشروط معينة)، وغيرها.

التمييز بين هذه الأنواع الثلاثة من المشاكل له أهمية قصوى في كيفية التعامل مع البروتوكول. معالجة النوعين الأخيرين لا تحتاج إلى فتح ملف بروتوكول باريس أو إلى مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، ويمكن أن تتم من خلال ممارسة ضغوط دولية على إسرائيل لإجبارها على تطبيق البنود الواردة في البروتوكول، واتخاذ الإجراءات اللازمة للاستفادة من الفرص التي يتيحها الاتفاق، واتباع السياسات اللازمة لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني في ظل البنود الحالية، وهي أمور يمكن القيام بها فورا، بل كان يجب القيام بها منذ فترة.

أما معالجة النوع الأول من المشاكل فهي تتطلب تعديل بنود الاتفاق، وهذا يحتاج إلى فتح ملف البروتوكول والتفاوض حول البنود الواردة فيه. ونظرا لأن هذا البروتوكول هو جزء من اتفاق سياسي (أوسلو 2) فمن غير الممكن أن يتم فتحه بدون فتح الاتفاق السياسي، وهو أمر غير مقبول في الوقت الراهن لأنه يعني العودة إلى المفاوضات بدون توقف الاستيطان وبدون مرجعية تقوم على العودة إلى حدود العام 1967، وهو ما ترفضه القيادة الفلسطينية ويعارضه الشعب الفلسطيني بكل فئاته. كما أن أي تعديل لهذا البروتوكول يمكن أن يخفف قليلا من التشوهات والمصاعب التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني، ولكنه لا يستطيع أن يزيلها بالكامل أو أن يحقق تنمية اقتصادية مستدامة، خصوصا في ظل توازن القوى الحالي بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية. وأخيرا، فإن تعديل البروتوكول لا يتناسق مع مطلب الفلسطينيين بأن يكون لهم دولة مستقلة ذات سيادة يتم فيها اتخاذ قرارات وتبنّي سياسات تتناسب مع ظروف الاقتصاد الفلسطيني وغير مرتبطة بالجانب الإسرائيلي.

المطلوب ليس تعديلا لبروتوكول باريس الحالي وليس بروتوكول باريس جديد، ولكن المطلوب هو رؤية اقتصادية جديدة شاملة في ظل دولة مستقلة قابلة للحياة، تمتلك السيطرة الكاملة على المعابر البرية والبحرية والجوية، وعلى الحدود مع جميع الدول المجاورة، وعلى الموارد الطبيعية، وعلى حرية القرار الاقتصادي، بما في ذلك حرية اختيار شكل وطبيعة العلاقة مع إسرائيل وغيرها من الدول، العربية والأجنبية، وحرية تبني السياسات المالية والنقدية والتجارية التي تحقق تنمية مستدامة للاقتصاد الفلسطيني. أما في المدى القصير، فيمكن استغلال الاتفاق للحصول على مكاسب كثيرة متاحة بدون فتح الملف أو التفاوض حوله.

HS

الطبقة الوسطى في فلسطين.. إلى أين؟

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏27/11‏/2011

تلعب الطبقة الوسطى دورا هاما في الاقتصاد وفي المجتمع. فبالإضافة إلى أنها تشكل القاعدة الاجتماعية لمعظم الأحزاب السياسية وتسهم في تنشيط المجتمع المدني وتقدم خدمات اجتماعية وثقافية متنوعة مثل حماية البيئة وحماية المستهلك ومحاربة الأمية وغيرها، فهي تعتبر، من الناحية الاقتصادية، القوة الدافعة الرئيسية للتنمية المستدامة من خلال رفد الاقتصاد بمجموعات كبيرة من الرياديين والمبدعين الذين يقدّمون أفكارا جديدة، ويقومون بمشاريع تسهم في خلق الكثير من الوظائف وتساعد على نمو الإنتاج وتحريك النشاط الاقتصادي وتطوير سوق رأس المال والرهن العقاري والائتمان. كما تسهم الطبقة الوسطى في عملية التنمية بسبب القيم التي تحملها هذه الطبقة والتي تركّز على التعليم وبذل الجهد والادخار، ما يؤدي إلى زيادة الاستثمار وتراكم رأس المال البشري، وهو ما ينعكس على زيادة الإنتاجية وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطبقة الوسطى تمثل قوة شرائية كبيرة تسهم في زيادة الطلب على السلع ذات الجودة المرتفعة، ما يعني زيادة الابتكار والتطوير. وقد أظهرت دراسات عديدة أن زيادة حجم الطبقة الوسطى يؤدي إلى زيادة معدلات النمو الاقتصادي ويساعد على تحقيق التوازن الاجتماعي والاستقرار المالي، وإلى تراجع نسب الفقر وتحسين مستويات المعيشة.

ولكن، من هي “الطبقة الوسطى”؟ ليس هناك تعريف محدد ومتفق عليه لهذه الطبقة، ولا توجد معايير واضحة لقياسها. ولعل التعريف الأسهل، والأكثر غموضا، أنها الطبقة ذات الدخل المتوسط، أو أنها مجموعة العائلات التي ليست غنية وليست فقيرة، دون وضع حدود معينة للغنى والفقر. ويعرّف البعض الطبقة الوسطى بأنها تصنيف اجتماعي يعكس قدرة العائلة على أن تعيش حياة مريحة، وأن يكون لديها مسكن ورعاية صحية وفرص تعليم للأولاد وتقاعد معقول وأمان وظيفي ودخل ينفقونه على الإجازات. وتضم هذه الطبقة المهنيين كالأطباء والمهندسين والمحامين ورجال الأعمال والمدراء والفنيين والتجار وأصحاب المصانع الصغيرة وغيرهم.

وقد جرت عدة محاولات لقياس حجم الطبقة الوسطى في أماكن كثيرة من العالم بمنهجيات مختلفة يرتبط معظمها بالدخل، وأظهرت النتائج تباينا واسعا في نسبة هذه الطبقة من حجم السكان بين الدول والمناطق. ففي العالم العربي، أظهرت دراسة أعدها المعهد العربي للتخطيط في الكويت أن الطبقة الوسطى في الدول العربية تُشكل حوالي 79% من السكان، وهي نسبة بقيت ثابتة منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، ولكنها تفاوتت من دولة لأخرى. بالمقابل، أشارت تقديرات بنك التنمية الآسيوي أن حوالي 56% من سكان أسيا عام 2008 هم طبقة وسطى ممن يتراوح دخلهم ما بين 2 – 20 دولارا في اليوم. وفي الأردن، أظهرت دراسة قام بها المجلس الاقتصادي والاجتماعي أن الطبقة الوسطى تشكل 41.1% فقط من سكان المملكة عام 2008، على أساس تعريف الطبقة الوسطى بأنها مجموعة الأفراد الذين يشكل نصيبهم من الإنفاق السنوي ضعفي خط الفقر على الأقل، ولا يتجاوز أربعة أضعاف خط الفقر.

أما في فلسطين، فلا توجد دراسات حول حجم ودور الطبقة الوسطى، ولكن بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تظهر أن خط الفقر في الأراضي الفلسطينية عام 2010 بلغ 609 دولار للفرد سنويا، أي أقل من دولارين يوميا. وإذا أخذنا معدل الأسرة الذي تم احتساب معدل الفقر على أساسه (وهو خمسة أفراد)، فإن ذلك يعني أن الطبقة الوسطى في فلسطين، حسب التعريف الذي تبناه المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأردن، تشمل العائلات التي تنفق ما بين 6,000 – 12,000 دولار سنويا تقريبا. لا توجد لدينا أرقام حول نسبة الأشخاص الذين تقع دخولهم أو حجم إنفاقهم بين هذين الرقمين، ولكن إذا كان 25.7% من سكان الأراضي الفلسطينية يعيشون تحت خط الفقر عام 2010 (حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء)، فإن حجم الطبقة الوسطى قد لا يتعدى نصف السكان، وهو رقم متواضع. كما تظهر البيانات أن نسبة العائلات تحت خط الفقر في قطاع غزة (38%) كانت أعلى بكثير من الضفة الغربية (18.3%) عام 2010، ما يعكس تباينا كبيرا في معدلات الفقر، وبالتالي تباينا كبيرا أيضا في حجم الطبقة الوسطى بين شطري الوطن، كما يعني ذلك أن الطبقة الوسطى في قطاع غزة تكاد تكون معدومة، وهذا أمر مقلق للغاية.

من ناحية أخرى، تظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء أن معدلات الفقر في الأراضي الفلسطينية تذبذبت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ما يعني تذبذب حجم الطبقة الوسطى بشكل كبير أيضا خلال تلك الفترة. ويرجع التذبذب في معدلات الفقر وحجم الطبقة الوسطى إلى كثير من العوامل، أهمها تذبذب معدلات النمو والبطالة ومستويات الأسعار، وحالة عدم الاستقرار التي تعرقل الاستثمار، والقيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على حرية الحركة، والاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية، والسياسات الحكومية، خصوصا هيكل الضرائب، وبالذات ضريبتي الدخل والقيمة المضافة.

إن المحافظة على الطبقة الوسطى وتوسيعها يتطلب صياغة استراتجيات وبرامج لمكافحة الفقر، وبالذات تزويد الفقراء بالمهارات أو فرص التمويل اللازمة لزيادة دخلهم بحيث ينتقلون إلى الطبقة الوسطى. كما يتطلب ذلك زيادة الإنفاق على التعليم والصحة، وتبني سياسات لتحسين القدرة الشرائية، ودراسة تأثير السياسات الحكومية، وبالذات مراعاة ذلك عند فرض الضرائب على الدخل بحيث لا تتضرر هذه الطبقة، وتوجيه القروض والبرامج نحو المشاريع الصغيرة والوسطى التي تستهدف الأفراد على حافة الطبقة الوسطى، وخلق فرص للعمالة الماهرة، وتقديم الحوافز للأنشطة التي تولد الدخل.

ولكن، وقبل ذلك كله، لا بد من القيام بدراسات مستفيضة حول الطبقة الوسطى في فلسطين لمعرفة حجمها وخصائصها وتوزيعها. وهذا يتطلب توفير بيانات تفصيلية، على مستوى الوطن والمحافظات، حول توزيع الدخل والإنفاق وخط الفقر وغيرها من المؤشرات التي تمثّل أسسا مرجعية لقياس هذه الطبقة. كما يتطلب ذلك توفير سلاسل زمنية من هذه البيانات للمساعدة على متابعة ومراقبة التغيرات التي تطرأ على الطبقة الوسطى، سواء في حجمها أو توزيعها أو خصائصها، بغية تصميم استراتيجيات وبرامج وخطط لتوسيعها ومنعها من التآكل والذوبان والانزلاق نحو خط الفقر، وتمكينها من زيادة مساهمتها في النمو الاقتصادي.

HS

 الاستثمارات الفلسطينية في الخارج وفي إسرائيل

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏11/12‏/2011

التقرير الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بالتعاون مع سلطة النقد حول الاستثمار الأجنبي للمؤسسات الفلسطينية تزامن مع الضجة التي أثارتها رسالة جامعية أعدها طالب ماجستير (عيسى سميرات) في جامعة القدس حول الاستثمارات الفلسطينية في إسرائيل والمستوطنات. أظهر تقرير الجهاز المركزي للإحصاء أن استثمارات المؤسسات الفلسطينية في الخارج بلغت حوالي 5.3 مليار دولار عام 2010، بينما بلغت استثمارات العالم الخارجي في فلسطين حوالي 2.3 مليار دولار، ما يعني أن رأس المال الفلسطيني المستثمر خارج الأراضي الفلسطينية يفوق حجم الاستثمارات الأجنبية في فلسطين بحوالي ثلاثة مليارات دولار، الجزء الأكبر منها عبارة عن عملة وودائع من القطاع المصرفي الفلسطيني في البنوك الخارجية. أما دراسة سميرات، فقد أظهرت أن حجم الاستثمارات الفلسطينية في إسرائيل والمستوطنات تراوحت ما بين 2.5 مليار و 5.8 مليار دولار عام 2010، مقارنة مع استثمارات الفلسطينيين أنفسهم في الضفة الغربية، والتي لم تتجاوز 1.6 مليار دولار.

الشيء المشترك بين تقرير الجهاز المركزي للإحصاء ودراسة سميرات هو الاستنتاج بأن رأس المال الفلسطيني يهرب من فلسطين إلى أي مكان خارج فلسطين، وهذه حقيقة مفزعة. ولكن الأمر المفزع حقا في دراسة سميرات هو أن جزءا كبيرا من هذه الأموال يستثمر في إسرائيل والمستوطنات، ما يعني حرمان الاقتصاد الفلسطيني من هذا المورد الهام وزيادة تبعيته لإسرائيل وتعزيز الاقتصاد الإسرائيلي القائم على استنزاف الموارد الفلسطينية. وقد أصابت هذه الدراسة كثيرا من السياسيين والمراقبين والرأي العام بالصدمة والذهول، وتفاوتت ردود الأفعال ما بين تشكيك بصحة الأرقام وانتقاد لمنهجية الدراسة ونفي للنتائج والاستنتاجات ومطالبات بالتحقيق في “هذه القضية الخطيرة التي تمس الاقتصاد الوطني” خصوصا وأن هذه الاستثمارات، لو تمت في الأراضي الفلسطينية، لاستطاعت أن تخلق حوالي 223 ألف فرصة عمل داخل الاقتصاد الفلسطيني، حسب تقدير الباحث، وهو ما يفوق عدد العاطلين عن العمل في الضفة الغربية بأكملها، ومن شأنه تخفيض نسبة البطالة إلى حوالي 7%، وهي نسبة سيحسدنا عليها الكثيرون.

وبالرغم من أن الدراسة تؤكد أن هذه الاستثمارات فردية يقوم بها بعض الأشخاص من الضفة الغربية والقدس الشرقية والفلسطينيين الموجودين داخل الخط الأخضر في شركات لهم داخل إسرائيل أو مؤسسات فلسطينية إسرائيلية مشتركة، إلا أن هذه الدراسة، على ما يبدو، تحرج السلطة الوطنية الفلسطينية لأنها تترك انطباعا سيئا، لم يقصده الباحث، حول ظروف وبيئة الاستثمار في فلسطين وحول تفاني الفلسطينيين في دعم قضيتهم ومقاومتهم للاحتلال؛ فكيف يمكن دعوة المستثمرين الأجانب والعرب لضخ أموالهم في فلسطين بينما يستثمر الفلسطينيون أموالهم في إسرائيل التي تحتل أراضيهم وتدمر بيوتهم وتقتل أطفالهم وتحاصر مدنهم وقراهم.

الاستثمار في إسرائيل والمستوطنات يذكرنا بالعمالة في إسرائيل والمستوطنات، والتي أثيرت حولها ضجة مماثلة قبل بضعة شهور. كلاهما حقيقة مرّة ومؤلمة، وكلاهما يمثل استنزافا لعناصر الإنتاج، وكلاهما يثير مجموعة من الأسئلة الهامة التي تحتاج إلى إجابات واضحة:  لماذا تهرب عناصر الإنتاج الرئيسية من فلسطين، خصوصا العمل ورأس المال، إلى الخارج، وبالذات إلى إسرائيل؟ وكيف نستطيع الاحتفاظ بهذه الموارد الإنتاجية الهامة في المستقبل للمساهمة في بناء وتطوير الاقتصاد الفلسطيني بدلا من المساهمة في النمو الاقتصادي لإسرائيل والدول الأخرى؟ وماذا يمكن أن نفعل لنستعيد العامل والمستثمر الفلسطيني ليعمل ويستثمر في وطنه؟ المطلوب ليس كيل الاتهامات للباحثين ولا التشكيك بوطنية العمال وأصحاب رأس المال الفلسطيني، ولكن المطلوب معرفة الأسباب والبحث عن حلول، وبالذات اقتراح سياسات سليمة لوقف هذا النزيف الدامي.

لا يشك أحد في دور الاحتلال الإسرائيلي المدمّر للبيئة الاستثمارية في فلسطين من خلال سيطرته على الأرض والحدود ومصادر المياه والثروات الطبيعية الفلسطينية، ومن خلال الإجراءات والقيود التي يضعها أمام حركة البضائع والأشخاص، وبالذات الإغلاق والحصار والحواجز المنتشرة في إنحاء الضفة الغربية، إضافة إلى عدم الاستقرار السياسي الناجم عن عدم إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية في المستقبل القريب، وصعوبة التصدير، وغيرها من الإجراءات والمعيقات الإسرائيلية التي أشارت إليها كثير من الدراسات والأبحاث والندوات. ولكن هناك أيضا مجموعة من العوامل تحت تصرف السلطة الوطنية الفلسطينية، وبالذات في مجال التشريعات وبيئة الأعمال والبيروقراطية وأسعار الكهرباء والماء والبنية التحتية والحوافز الضريبية، بما في ذلك ضريبة الدخل وإعفاءات قانون تشجيع الاستثمار، والتي تستطيع الحكومة من خلالها التخفيف من الآثار السلبية للاحتلال وتحسين البيئة الاستثمارية وزيادة ثقة المستثمر الفلسطيني باقتصاد بلاده. لقد أظهرت دراسة سميرات أن حوالي ثلثي المستثمرين الفلسطينيين في إسرائيل والمستوطنات مستعدون للعودة والاستثمار في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية إذا تم التعامل بشكل جدي مع ملف الاستثمار وإذا توفرت التسهيلات الكافية. وقبل ذلك أشار العديد من العمال الفلسطينيين في إسرائيل والمستوطنات إلى أنهم لا يرغبون في العمل هناك إذا توفرت لهم فرص عمل مقبولة في الأراضي الفلسطينية.

ليس الاستثمار في إسرائيل فقط هو الخطير، ولكن الاستثمارات الفلسطينية في الخارج خطيرة أيضا لأنها تحرم الاقتصاد الفلسطيني من خلق فرص عمل كثيرة داخل الأراضي الفلسطينية. فإذا أضفنا قيمة استثمارات الفلسطينيين في الخارج، كما جاءت في تقرير الجهاز المركزي للإحصاء، إلى استثمارات الفلسطينيين في إسرائيل، كما جاءت في دراسة سميرات، فإن تلك الاستثمارات تصل إلى ما يقارب ثمانية مليار دولار. وإذا أمكن جذب نصف هذه الاستثمارات إلى الاقتصاد الفلسطيني، فسيكون ذلك كافيا لمعالجة مشكلتي البطالة والفقر المستعصيتين في فلسطين وزيادة معدلات النمو بشكل كبير.

لقد وجهت انتقادات كثيرة لدراسة سميرات، من حيث المنهجية والافتراضات والاستنتاجات وغيرها. ربما تكون هناك مبالغة في بعض الأرقام الواردة في الدراسة، وربما تكون هناك أخطاء في المنهجية أو عدم دقة في الافتراضات والاستنتاجات، ولكن ذلك لا يعني أن الاستثمارات الفلسطينية في إسرائيل والمستوطنات غير موجودة، كما لا يعني أن العمالة في المستوطنات قد اختفت أو حتى انخفضت. وبدلا من مهاجمة الدراسات العلمية وإمطارها بوابل من التهم والتجريح، يجب الاستفادة منها في البحث عن حلول لوقف هذا النزيف المدمّر للاقتصاد، كما يجب تشجيع المزيد من الدراسات والأبحاث التي تسهم في تسليط الضوء على هذا النوع من الظواهر السلبية لمعالجتها، ما يسهم في تطور الاقتصاد الفلسطيني.

 

HS

إطلالة على عام منصرم

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏27/12‏/2011

خلال أيام قليلة نودع عاما ونستقبل آخر.. غيوم كثيفة تجمعت، وأمطار كثيرة سقطت، ومياه غزيرة جرت في الأنهار خلال العام المنصرم. ولكن الأحداث التي شهدها العالم والمنطقة خلال هذا العام سوف تترك بصماتها على صفحة الأيام القادمة، فقد كانت بعض تلك الأحداث جسيمة ولها انعكاسات بعيدة المدى على العالم والمنطقة، وعلى فلسطين بالتحديد.

على المستوى العالمي، كان هناك حدثان هامان بدأا بالتدحرج ولم يتوقفا حتى كتابة هذه السطور، بل إننا لا نعلم متى وأين سيتوقفان، ولا نعرف أيضا كيف سيكون تأثيرهما علينا. الحدث الأول هو الربيع العربي الذي بدأ بثورة في تونس، انتقلت إلى مصر ثم ليبيا واليمن وسوريا؛ وهو ربيع تحول إلى إعصار جارف طال بلدان لم يكن أحد يتخيل في الماضي أنه سيصلها، وقد يطال حكومات قوية، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وفي كل اتجاه. وبالرغم من أننا لا نعرف على وجه اليقين إلى أين سيتجه هذا الإعصار في الأيام القادمة، إلا أننا نعلم بالتأكيد أن العالم بعد العام 2011 لن يكون هو نفسه العالم قبل العام 2011.

الحدث الثاني على المستوى العالمي هو الأزمة المالية العالمية التي بدأت في أمريكا تحت عنوان ما سمي بأزمة “سقف الدين الأمريكي”، ثم انتقلت إلى أوروبا تحت عنوان أزمة “الديون السيادية الأوروبية”. وقد أفضت الأزمة الأخيرة حتى الآن إلى استقالة رئيسي وزراء اليونان وإيطاليا، وهناك مخاوف من أن تمتد إلى دول أخرى، وأن يدخل اقتصاد العالم مرحلة صعبة من عدم الاستقرار المالي، خصوصا إذا تحقق ما حذرت منه مديرة صندوق النقد الدولي مؤخرا من مخاطر انهيار الطلب الكلي وحدوث ركود اقتصادي عالمي.

على المستوى المحلي، كانت الأحداث التي جرت في المنطقة لا تقل خطورة، فقد تضاعفت وتيرة الاستيطان خلال العام المنصرم وتصاعدت عمليات التهويد، وخصوصا في مدينة القدس، ووصلت المسيرة السياسية إلى طريق مسدود، ما دفع السلطة الوطنية للتقدم إلى مجلس الأمن بطلب الانضمام إلى الأمم المتحدة. وبالرغم من فشل طلب العضوية الكاملة في مجلس الأمن هذه المرة، إلا أن السلطة الوطنية أكدت أنها ستكرر المحاولة في الأعوام القادمة، كما أنها نجحت في الانضمام كعضو جديد في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) ما أثار حفيظة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية اللتين هددتا بإجراءات عقابية صارمة، كان من بينها توقف إسرائيل عن تحويل مستحقات السلطة الوطنية من أموال المقاصة وتوقف الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للمؤسسات الفلسطينية.

خلال العام المنصرم أيضا استمر الانقسام بين جناحي الوطن، واستمرت جهود المصالحة بين الفصيلين الرئيسيين، فتح وحماس، لرأب الصدع واستعادة الوحدة الوطنية. ويشير الدخان الأبيض القادم من القاهرة هذه الأيام إلى تفاؤل مشوب بالحذر أن تتكلل جهود المصالحة بالنجاح هذه المرة، وأن تفلح الظروف التي تمر بها المنطقة في تغليب المصلحة الوطنية وإعادة اللحمة إلى الصف الفلسطيني.

انعكست هذه الأحداث على الوضع الاقتصادي الفلسطيني. فقد بدأ العام بأخبار طيبة أظهرت نمو الاقتصاد الفلسطيني بحوالي 9.3% عام 2010، وتقديرات متفائلة بأن يستمر هذا النمو خلال العام 2011. ولكن هذا النمو بدأ بالتباطؤ خلال النصف الثاني من العام المنصرم، خصوصا في الضفة الغربية حيث كان معدل النمو سالبا خلال الربع الثالث، ومن المتوقع أن يكون كذلك في الربع الأخير من هذا العام وربما في العام القادم أيضا، ما يؤكد أن ما حدث في الأعوام القليلة الماضية كان انتعاشا قصير الأجل مصدره الإنفاق الحكومي الكبير الممول من مساعدات الدول المانحة التي تخضع لاعتبارات سياسية قد تتعارض مع الأهداف والمصلحة الوطنية الفلسطينية. وقد تجلى ذلك عندما انفجرت أزمة الرواتب في منتصف العام المنصرم نتيجة تلكؤ الدول المانحة في تقديم المساعدات التي تعهدت بها إلى السلطة الوطنية وتوقف إسرائيل عن تحويل مستحقات المقاصة، ما حال دون وفاء الحكومة بالتزاماتها في المواعيد المحددة. وبالرغم من وصول بعض المساعدات الأجنبية لاحقا واستئناف إسرائيل تحويل مستحقات السلطة الوطنية، إلا أن ذلك عكس هشاشة الاقتصاد الفلسطيني واعتماده الكبير على المصادر الخارجية، كما عزز مخاوف المستثمرين من عدم استقرار الأوضاع السياسية في المنطقة.

في الجانب المشرق، صدرت خلال العام المنصرم عدة تقارير من الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي حول الاقتصاد الفلسطيني، وجميعها تشيد بأداء الاقتصاد الفلسطيني وتؤكد على جاهزية السلطة الوطنية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ولكن تلك التقارير أشارت أيضا إلى أن هذه الجاهزية لا تزال غير مكتملة، ومهددة بكثير من التحديات والمخاطر الناجمة عن العراقيل والمعيقات الإسرائيلية التي تحاول تدمير الاقتصاد وهدم مؤسساته. وقد أظهرت تقارير الجهاز المركزي للإحصاء بيانات تعزز تلك المخاوف؛ فمعدلات البطالة في نهاية العام المنصرم ظلت تحوم حول معدلاتها العالية التي تقارب 25%، ومساهمة القطاعات الإنتاجية الرئيسية (الزراعة والصناعة) في الناتج المحلي ظلت منخفضة ولم تتجاوز حصتهما معا 20% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المنصرم، وحجم الاستثمارات الفلسطينية للمؤسسات الفلسطينية في الخارج يفوق كثيرا حجم الاستثمارات الأجنبية في فلسطين، إضافة إلى ضخامة العجز في الميزان التجاري والموازنة العامة.

لم يكن العام 2011 عاما عاديا ولم يكن عاما مستقرا هادئا، ولكنه كان حافلا بالتحديات التي لا تزال تتدحرج بقوة على الساحة الفلسطينية والدولية، دون أن يعلم أحد إلى أين تتجه الأمور وما الذي تلده الأيام الحبلى القادمة من أحداث جديدة، فصورة المستقبل تبدو غير واضحة والأبواب مشرعة على كل الاحتمالات، ولكن الآمال تظل معقودة بأن يكون العام القادم أفضل حالا من العام الذي سبقه.

HS

التنبؤات الاقتصادية: دورها وإمكانية الاستفادة منها

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏08/01‏/2012

قبل انسلاخ العام المنصرم، أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تقريرا يشمل تنبؤاته الاقتصادية للعام 2012. تحدث التقرير عن أربعة سيناريوهات، يعتمد كل منها على افتراضات محددة حول الأوضاع السياسية الداخلية، والحصار المفروض على قطاع غزة، والمساعدات الخارجية، والإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وعدد العاملين الفلسطينيين داخل إسرائيل، إضافةً إلى مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى. يفترض السيناريو الأول (سيناريو الأساس) استمرار الوضع الاقتصادي والسياسي في الأراضي الفلسطينية على ما كان عليه خلال العام 2011، أما السيناريو الثاني (السيناريو المتفائل) فيفترض تحسن الوضع الاقتصادي والسياسي في الأراضي الفلسطينية، وهناك سيناريوهان متشائمان، أحدهما أكثر تشددا من الآخر، يفترضان تدهور الوضع السياسي والاقتصادي بشكل محدود أو بشكل كبير خلال العام الجديد. يقود كل واحد من هذه السيناريوهات إلى نتائج محددة حول الناتج المحلي الإجمالي وعجز الموازنة العامة ومعدل البطالة والعجز في صافي الحساب الجاري الخارجي للأراضي الفلسطينية. المشكلة أن هذه النتائج تتفاوت بشكل كبير يجعل الاستفادة منها محدودة جدا؛ فقد أظهرت النتائج، مثلا، أن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي عام 2012 قد يصل إلى 12% (السيناريو المتفائل) وقد ينخفض إلى سالب 7.5% (السيناريو الأكثر تشاؤما)، وقد يكون 6.2% وربما يكون سالب 0.3%. وكذلك العجز في الموازنة، قد ينخفض بحوالي 20%، ولكنه قد يرتفع بنسبة 23%، وربما ينخفض بنسبة 16% أو يرتفع بنسبة 4%. وكذلك الأمر بالنسبة لمعدل البطالة وصافي الحساب الجاري الخارجي. يعني ذلك ببساطة أن كل شيء ممكن خلال العام القادم وأننا، كما قال يوجين أيونسكو، نستطيع التنبؤ بالأشياء فقط بعد حدوثها، وهو ما يقلل من قيمة التنبؤ ويحدّ من إمكانية الاستفادة منه.

هناك الكثير من المؤسسات والمعاهد الأكاديمية ومراكز الأبحاث التي تقوم بعمل تنبؤات اقتصادية، وبعضها مؤسسات دولية كبيرة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD وبعض البنوك المركزية والجامعات العريقة ومؤسسات القطاع الخاص وبعض الجرائد والمجلات المعروفة، مثل وول ستريت جورنال و الإيكونوميست وغيرها. وهي تقوم بذلك بشكل دوري، سنوياً أو ربعياً أو حتى شهرياً، وتستخدم أساليب مختلفة للتنبؤ، بعضها يقوم على نماذج إحصائية واقتصادية معقدة تتطلب بيانات كثيرة حول متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة، وبعضها يستخدم أساليب بسيطة بناء على مؤشرات معينة، مثل عدد التراخيص الممنوحة للبناء، وإعلانات طلب وظيفة، ومسوحات آراء المستهلكين، وتوقعات رجال الأعمال، وغيرها. وقد ساعد توفر سلاسل بيانات زمنية عديدة وتطور التكنولوجيا وبرامج الكمبيوتر المختلفة على استخدام نماذج أكثر تعقيدا. وبالرغم من ذلك، فإن كثيرا من التنبؤات الاقتصادية لا تتحقق أو تكون غير دقيقة. عدم الدقة قد يكون نتيجة عدم تحقق الافتراضات التي يقوم عليها التنبؤ وقد يكون نتيجة عدم توصيف صحيح للعلاقة بين المتغيرات التي يقوم عليها التحليل.

ولكن كيف يمكن تقييم دقة التنبؤات؟ الطريقة المثلى هي مقارنة ما حدث خلال العام بما تم التنبؤ به قبل بداية العام. لنأخذ الحالة الفلسطينية مثلا، ونقارن التنبؤات الاقتصادية لثلاث سنوات تتوفر حولها بيانات معقولة. فقد توقع الجهاز المركزي للإحصاء أن يكون معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي عام 2010 حوالي 4.2 % (السيناريو الأساس) وأن تتراوح قيمته ما بين 8.8% (السيناريو المتفائل) و سالب 6.0% (السيناريو المتشائم)، وكانت النتيجة الفعلية هي معدل نمو موجب 9.3%، أي أكثر من ضعفي النمو المتوقع حسب سيناريو الأساس. أما في العام 2009، فقد توقع الجهاز المركزي للإحصاء أن يكون معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي سالب 3.1% (السيناريو الأساس)، وكانت النتيجة الفعلية هي معدل نمو موجب 7.4%، وهي نتيجة لا تمت بصلة للتوقعات. وأخيرا، ففي العام 2008، توقع الجهاز المركزي للإحصاء أن يكون معدل النمو أقل من واحد في المائة، ولكن النتيجة الفعلية كانت 6%، وهي أيضا بعيدة جدا عن القيمة المتوقعة في سيناريو الأساس.

أرجو أن لا يتسرع أحد باتهام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بالتقصير أو بارتكاب أخطاء في التحليل أو باستخدام نماذج غير صحيحة. ما حدث هو، ببساطة، أن كثيرا من العوامل الخارجية التي تؤثر في الاقتصاد الفلسطيني، بشكل مباشر أو غير مباشر، لم يكن من الممكن التنبؤ بها عند تقدير النموذج. من كان يتوقع قبل عام، مثلا، أن تندلع ثورات الربيع العربي وأن يسقط نظام بن علي ومبارك والقذافي وصالح؟ ومن يستطيع أن يتنبأ اليوم بما سيحدث لكثير من الأنظمة الباقية خلال العام القادم؟ هذه أمور لا يمكن التكهن بها مسبقا. كما أن هناك مخاطر لا يمكن التكهن بها بدقة قبل وقوعها ولكن يمكن تقدير احتمالات حدوثها، مثل مساعدات الدول المانحة، وانتظام إسرائيل في دفع المستحقات الضريبية للسلطة الوطنية الفلسطينية، واستمرار حالة الانقسام أو نجاح جهود المصالحة، وعدد العاملين في إسرائيل، وغيرها.

ولكن، إذا كانت التنبؤات الاقتصادية غير دقيقة، فما قيمتها إذن؟ وهل لها أهمية تستدعي كل هذا الجهد المبذول في إعدادها ونشرها ومناقشتها؟ الجواب هو، بالتأكيد نعم. فالتنبؤات الاقتصادية، إذا كانت قائمة على افتراضات واقعية ونظرية اقتصادية سليمة، يمكن أن تلعب دورا هاما في صياغة السياسات الحكومية المناسبة، وبالذات السياسات المالية والنقدية، وفي اتخاذ القرارات الصناعية والتجارية الصعبة لرجال الأعمال، لأنها تساعد الأشخاص الذين يتعاملون بالأمور الاقتصادية على تكوين فكرة معقولة حول ما ستؤول إليها الأمور في المستقبل. وفي كثير من الأحيان، فإن نجاح بعض السياسات الاقتصادية، على المستوى الكلي أو الجزئي، يتوقف على قدرة المؤسسات على التنبؤ الدقيق والتحضير للمستقبل بناء على ذلك.

إن عدم دقة التنبؤات الاقتصادية لا يلغي أهميتها، ولكنه يتطلب جهدا أفضل لجعلها أكثر دقة بحيث يمكن الاستفادة منها بشكل جيد في التخطيط واتخاذ القرارات على كافة المستويات. وهذا ينطبق على فلسطين أيضا، وبشكل خاص. ويتطلب ذلك، أولا، تطوير نماذج اقتصادية تتناسب مع طبيعة الاقتصاد والعلاقات المعقدة بين المتغيرات المتشابكة فيه. ويتطلب، ثانيا، توفير بيانات تفصيلية أفضل وأكثر دقة، بما في ذلك إدخال متغيرات جديدة في النموذج. ويتطلب ذلك، ثالثا وربما الأهم، مراجعة الافتراضات التي يقوم عليها التنبؤ. قد يكون احتساب سيناريو الأساس بناء على افتراض “استمرار الوضع السابق” هو الأبسط والأسهل للفهم لأنه لا يحتاج إلى تفسير أو تحليل أو تبرير، ولكن هذا الافتراض غير واقعي بالنسبة لبلد مثل فلسطين، وهو ما أكدته التنبؤات الاقتصادية التي تمت الإشارة إليها سابقا. وربما يكون من الأفضل احتساب سيناريو الأساس بناء على افتراضات أكثر واقعية، تأخذ بالاعتبار البدائل الممكنة واحتمالات حدوثها بناء على تجارب سابقة. فالتنبؤ لا يتم فقط من خلال مجموعة من الأرقام المتباينة، ولكنه يتم من خلال تقديم صورة متكاملة لوضع الاقتصاد والظروف والمخاطر المختلفة المحيطة به.

HS

هوامش على قانون ضريبة الدخل الجديد

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏22/01‏/2012

أثارت إجراءات التقشف الحكومية الأخيرة زوبعة لم تهدأ تناولها الكثيرون من زوايا مختلفة، كل حسب هواه واهتمامه ومصالحه. وكانت بعض الكتابات تتميز بالعمومية وأحيانا بالتناقض وعدم الوضوح، ما دفعني لكتابة هذه الملاحظات. سوف أركز حديثي على قانون ضريبة الدخل وتعديلاته، وبالتالي لن أتحدث عن إجراءات التقشف الأخرى أو عن زيادة الإيرادات أو تحسين الإدارة الضريبية، دون أن يقلل ذلك من أهمية هذه الأمور. كما سأركز حديثي على الجانب الاقتصادي، وبالتالي لن أتحدث في الجوانب القانونية أو السياسية أو الاجتماعية للقانون، فهناك من هم أقدر مني على تناول هذه الجوانب والحديث فيها.

أدرك، مثل كثيرين غيري، حجم الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الوطنية والتحديات التي أمامها، ولا أختلف مع أحد في أهمية تخفيض عجز الموازنة الجارية وضرورة تخفيف الاعتماد على المساعدات الخارجية. ولكن لا بد من التأكيد أن الضرائب بأشكالها المختلفة، المباشرة وغير المباشرة، هي إحدى أدوات السياسية المالية للدولة، وهي بالتالي تتعدى كونها وسيلة لزيادة إيرادات الخزينة (دون التقليل من أهمية ذلك) وتسعى، مثل السياسة النقدية وغيرها من السياسات الاقتصادية الأخرى، إلى تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية معينة، وبالذات تحفيز الاقتصاد وتشجيع النمو، واستقرار الأسعار، وتخفيف معدلات البطالة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والاستغلال الأمثل للموارد، وغيرها. وبالتالي فإن أية محاولة لتقييم هذا القانون وتعديلاته يجب أن تتم من خلال دراسة تأثيره على هذه المتغيرات.

لنبدأ أولا بمقولة أن رفع معدلات الضريبة سوف يؤدي إلى زيادة الإيرادات العامة، وهو ما أشار إليه رئيس الحكومة حين برر تعديل قانون ضريبة الدخل بحاجة السلطة لمزيد من الإيرادات. أعتقد أن هذا الأمر ممكن جدا في المدى القصير، حيث ينتقل جزء من دخل الأفراد وأرباح الشركات إلى خزينة الدولة، ما يعني أن القانون الجديد سيؤدي فعلا إلى زيادة الإيرادات الضريبية. الذين يعتقدون عكس ذلك يجري في أذهانهم، غالبا، ما يسميه اقتصاديو جانب العرض “منحنى لافر Laffer Curve” والذي يقول أن زيادة معدلات الضريبة تؤدي إلى تقليل الحوافز على العمل والادخار والاستثمار، ما يعني تخفيض العرض الكلي والنمو الاقتصادي على المدى الطويل، وبالتالي تخفيض الإيرادات الحكومية المتأتية من الضرائب على النشاط الاقتصادي. كما أن زيادة معدلات الضريبة، في رأيهم، تشجع المكلفين على التهرب الضريبي بوسائل مختلفة. ربما يكون ذلك صحيحا في المدى البعيد، أما في المدى القصير، فإن من غير المتوقع أن تؤتي حوافز العمل والادخار والاستثمار نتائج سريعة واضحة. كما أن التعديلات الجديدة تحدّ من التهرب الضريبي، على الأقل في المدى القصير.

من ناحية أخرى، هناك إجماع على أن زيادة الضرائب سيكون لها تأثير سلبي على الاستثمار، حيث يتخذ المستثمر قراراته بناء على صافي العائد على الاستثمار بعد الضريبة، وليس قبلها. بل إن معظم قوانين تشجيع الاستثمار في العالم، إن لم تكن جميعها، تمنح المستثمر إعفاءات متفاوتة من ضريبة الدخل لسنوات عديدة لتشجيعه على الاستثمار. في ظل الأوضاع الصعبة في الأراضي الفلسطينية، ومناخ الاستثمار الذي يعاني من الإجراءات الإسرائيلية وعدم الاستقرار السياسي وضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الأعمال وغيرها، فإن زيادة الضرائب ستوجه ضربة قاسية للاستثمار الأجنبي والوطني، خصوصا وأن هناك منافسة شديدة بين دول المنطقة لجذب تلك الاستثمارات. يأتي ذلك في الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن وقف العمل بالإعفاءات الممنوحة للشركات حسب قانون تشجيع الاستثمار الفلسطيني في شهر نيسان القادم ، وفي أعقاب المعلومات المتزايدة حول هجرة رأس المال الفلسطيني وحجم الاستثمارات الفلسطينية في الخارج (بما في ذلك إسرائيل).

أما بالنسبة لتأثير القانون على معدلات النمو والبطالة، فمن الواضح أن تعديلات قانون ضريبة الدخل الجديدة سوف تقتطع نسبة أكبر من أرباح الشركات ومن الدخل المتاح لمعظم الأفراد، خصوصا الطبقة المتوسطة، دون أن يصاحب ذلك زيادة في الإنفاق الحكومي (الذي كان يموّل في السابق من المساعدات والقروض)، ما يعني انخفاض الطلب الكلي على السلع والخدمات، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الركود الاقتصادي وانخفاض معدلات النمو وارتفاع معدلات البطالة. وسوف يكون التأثير أكبر في المدى البعيد نتيجة مضاعف الإنفاق من جهة، والتأثير السلبي للضريبة على الاستثمار من جهة أخرى. وفي الواقع، فإن زيادة الضرائب وتقليل الإنفاق هما عنصران من عناصر السياسة المالية الانكماشية التي تقوم بها الحكومة عندما يكون الهدف هو تقليل الطلب الكلي بغية تخفيف حدة التضخم في الأسعار وفي ظل معدلات بطالة منخفضة، وليس في وضع كالذي نعيشه في فلسطين في الوقت الراهن.

يقودنا ذلك للحديث عن الأسعار، وأنا أتفق مع رئيس الحكومة على أن ضريبة الدخل لن تؤثر على مستوى الأسعار في المدى القصير لأن ضريبة الدخل لا ترفع من تكلفة السلعة ولكنها تقاسم التاجر والمصنّع أرباحه، بعكس الضرائب غير المباشرة، مثل ضريبة القيمة المضافة، التي تزيد من التكاليف ويمكن نقلها أو نقل جزء منها للمستهلك على شكل زيادة في الأسعار. أما في المدى المتوسط والبعيد، فإن ضعف الاستثمار في الآلات الحديثة والتكنولوجيا ورأس المال البشري نتيجة ضعف الحوافز المقدمة للمستثمرين سوف تؤدي إلى زيادة التكاليف وتقليل العرض، وبالتالي ارتفاع الأسعار، ولو بدرجات محدودة في ظل المنافسة الخارجية.

أما بالنسبة للعدالة الاجتماعية، فإن القانون الجديد يحقق إنجازا معقولا في هذا الاتجاه. فعندما يخضع ذوي الدخول العليا إلى شرائح أكبر فإن ذلك يؤدي إلى توزيع أكثر عدلا للدخل والثروة. ولا شك أن زيادة الإعفاءات وتوسيع الشرائح للطبقات الدنيا وإضافة شرائح جديدة في القانون الجديد وتعديلاته يصب في صالح مزيد من العدالة الاجتماعية بعكس الحال في الضرائب غير المباشرة، مثل ضريبة القيمة المضافة والجمارك وغيرها، والتي يكون عبؤها على الفقراء كبيرا لأنها تقتطع نسبة أكبر من دخولهم مقارنة بذوي الدخول المرتفعة، خصوصا وأن عائدات هذه الضرائب غير المباشرة تمثل حوالي 94% من إجمالي الإيرادات العامة للحكومة.

مقابل ذلك هناك بعض الفئات الضعيفة اقتصاديا تتضرر من القانون وتعديلاته، ويأتي ضمن هذه الفئات كبار السن الذين تخضع نسبة كبيرة من مكافأة نهاية الخدمة التي يحصلون عليه لضريبة الدخل، ما يتنافى مع العدالة الاجتماعية لهؤلاء الأفراد، خصوصا في ظل غياب نظام للضمان الاجتماعي يمكنه أن يتكفل بهم وباحتياجاتهم المتزايدة في كبرهم. كما يأتي ضمن هذه الفئة القطاع الزراعي الذي يعاني من صعوبات كبيرة في ظل المنافسة الإسرائيلية وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج وصعوبة التصدير وغيرها، في الوقت الذي يجب فيه تقديم حوافز وتسهيلات لهذا القطاع لتعزيز قدرته على الصمود ومقاومة الاحتلال والاستيطان وتشجيعه على استيعاب اليد العاملة الفائضة وتعزيز قدرته التنافسية. كما أن القانون الجديد لا يميز بين الشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، ما يعرض الشركات الصغيرة إلى مخاطر الاندثار، في الوقت الذي تحتاج فيه تلك الشركات إلى إعفاءات ودعم لمساعدتها على الاستمرار والنمو وتشجعها على استثمار الأرباح التي تحققها، وهو ما يمكن أن يتم من خلال زيادة الشرائح الضريبية للشركات.

أخيرا، لا بد من التأكيد أن هناك جوانب إيجابية وأخرى سلبية للقانون الجديد. ولكن، بالرغم من التأثيرات الإيجابية للقانون على العدالة الاجتماعية، وقدرته على زيادة الإيرادات العامة في المدى القصير، فإن تأثيراته في المدى المتوسط والبعيد على الاستثمار والإنتاج والتوظيف تبدو سلبية، ما يتطلب إعادة النظر فيه بالتشاور مع الأطراف المعنية.

HS

 الحوار الاقتصادي الوطني… هل تم الإعداد له جيدا؟!

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏05/02‏/2012

عندما يرى هذا المقال النور يكون مؤتمر الحوار الوطني على وشك أن يبدأ. وقد تابعت خلال الأيام الماضية كثيرا مما كتب أو قيل حول الحوار، ولم يتقلص عدد الأسئلة التي كانت عالقة في الذهن منذ أن سمعت بفكرة الحوار للمرة الأولى، بل وجدت أن كثيرا من الأسئلة التي تدور في ذهني تدور أيضا في أذهان الكثيرين غيري، وهي تحمل في طياتها مخاطر توقعات كبيرة قد لا يستطيع الحوار تحقيقها، ما قد ينجم عنه خيبة أمل لكثير ممن يعقدون آمالا واسعة على نتائج هذا الحوار.

من الطبيعي أن يدور السؤال الأول حول أهداف الحوار ودوافعه. بالنسبة للحكومة، فإن الهدف الرئيسي للمؤتمر، كما ظهر في الصحف، هو “بلورة صيغة توافقية لسبل التغلب على الأزمة المالية”. وهذا يعني ببساطة أن يتفق المتحاورون على صيغة يمكن من خلالها تخفيض العجز في الموازنة العامة “لمستوى يبعث على الثقة بإمكانية تمويله بيسر، وبما يخفف من التأثير السلبي الذي خلقته الأزمة المالية على مدار العامين الماضيين، ويحد من احتمال استمرارها خلال العام الجاري” (الكلام لرئيس الوزراء)، وبشكل يحقق التوزيع العادل للعبء الناجم عن تقليص عجز الميزانية وبما يمكن من توفير اكبر قدر من الاستقرار والبيئة المحفزة للنمو وتوفير فرص العمل وتعزيز عوامل الصمود. ولكن، هل يمكن حقا تحقيق كل هذه الأهداف من خلال مؤتمر الحوار المزمع عقده، أم أن المقصود هو رمي الكرة في ملعب الجمهور؟ وكيف يتم تحديد العدالة في توزيع الأعباء بين الأطراف؟ أليست هذه وصفة جريئة للصدام بين أصحاب المصالح ممن يشاركون في الحوار؟ وماذا عن الأطراف التي لا تشارك في الحوار؟ أليس هناك تناقض ظاهر بين “الاستقرار والبيئة المحفزة للنمو” من جهة وتغيير القوانين وتعديلها بشكل مستمر من جهة أخرى؟

يثير ذلك سؤالا مكملا حول القضايا التي سيناقشها الحوار. لا يبدو أن هناك جدول أعمال واضح يشمل مواضيع أو محاور محددة للنقاش، فهناك من يرى ضرورة أن يقتصر الحوار على الأزمة المالية الحالية للسلطة وسبل الخروج منها، وهناك من يعتقد أنه يجب أن يشمل جميع السياسات المالية والاقتصادية للحكومة خلال السنوات القادمة، وهناك من يشجع مناقشة قضايا أخرى مثل الحد الأدنى للأجور والضمان الاجتماعي، وهناك من يريد أن يكون الحوار مفتوحا وأن يشمل جميع الأمور التي تهم الاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك سبل إنهاء الانقسام وإنهاء الاحتلال. فكيف يمكن أن ينجح المؤتمر دون اتفاق على القضايا التي ستتم مناقشتها؟ أم أن تحديد جدول أعمال المؤتمر سيتم لاحقا، وربما بشكل يعكس اهتمامات معينة ويحكم مسبقا على النتائج؟ أم أن هناك جدول أعمال لم يتم الإعلان عنه للجميع، في الوقت الذي يتم فيه وصف الحوار بأنه حوار وطني؟

ينقلنا ذلك إلى سؤال حول المشاركين في الحوار، وهل تم توجيه الدعوة لهم، وكيف، ومتى؟ ما نقلته الأخبار أن الحوار سيشمل مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي سوف يشارك فيه، بالإضافة إلى ممثلي الحكومة، ممثلي القطاع الخاص والكتل البرلمانية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات وبقية أطياف المجتمع. ولكن على أي أساس تم أو سيتم اختيار القطاعات التي سيكون لها تمثيل في مؤتمر الحوار؟ وهل سيتم استثناء فئات معينة؟ وكيف سيتم اختيار عدد ممثلي كل قطاع وأسمائهم؟ هل تمت أو ستتم بلورة مواقف كل قطاع من خلال آليات شفافة واضحة بحيث يتم تمثيل القطاع بكافة طبقاته وفئاته، سواء الزراعي أو الصناعي أو المالي، أو الأكاديمي، أو غيرها؟ هل هناك أوراق عمل تم إعدادها لكل قطاع؟ وإذا كانت هناك مؤسسات تمثل معظم القطاعات، فكيف سيتم تمثيل من ليس لهم نقابات أو مؤسسات تجمعهم؟ كيف سيتم تمثيل الفقراء والمهمّشين وصغار المزارعين وصغار المستثمرين؟ هل سيتم تمثيل المناطق الجغرافية الفلسطينية، وبالذات القدس وقطاع غزة والأغوار، أم سيقتصر الأمر على الضفة الغربية؟

سؤال آخر حول آلية الحوار، فقد قيل أن الحوار سيتم على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي اللقاءات التمهيدية، والمرحلة الثانية ما يشبه الطاولة المستديرة بين ممثلي القطاعات المختلفة، والمرحلة الثالثة الاجتماع الموسع الذي سيضم كافة القطاعات. وقيل أيضا أن المرحلة الأولى قد بدأت فعليا بلقاءات تمهيدية لرئيس الوزراء مع ممثلي كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية دون استثناء، فما الذي سيبدأ يوم الأحد إذن؟ هل هي المرحلة الثانية (الطاولة المستديرة)؟ وما هو السقف الزمني لهذه المرحلة؟ وكيف ستكون آلية الحوار والتصويت؟ وما هو دور المرحلة الثالثة؟ هل هو لتمرير ما اتفقت عليه الطاولة المستديرة ومنحه شرعية أوسع؟ وماذا لو لم تصل الأطراف إلى اتفاق حول بعض القضايا الرئيسية؟

وأخيرا، يبقى السؤال الأكثر أهمية، ما هي النتائج المتوقعة للمؤتمر؟ لقد تم تعليق العمل بإجراءات جباية السلف وفق شرائح ضريبة الدخل الجديدة لحين انتهاء الحوار الوطني وبما لا يتجاوز 15 شباط الجاري، وبالتالي لم يتم تجميد القانون الجديد ولم يتم إلغاء التعديلات على الشرائح الجديدة وإنما تم تجميد تلك الشرائح لمدة أسبوعين فقط. فما هو سقف الحوار إذن؟ هل تجميد القانون الجديد مطروح للحوار؟ وإذا كان الجواب بالنفي، كيف يمكن معالجة الانتقادات الكثيرة التي وجهت سابقا إلى القانون الجديد بسبب انعكاساته السلبية على الاقتصاد وبما يتعارض مع أهداف مؤتمر الحوار نفسه؟ وإذا كان الجواب بالنفي أيضا، فهل المتوقع وقف الشرائح الجديدة والعودة إلى الشرائح التي نص عليها القانون الجديد، أم أن المتوقع تعديل الشرائح الجديدة واستبدالها بشرائح أخرى؟ أخشى أن ينقلب المؤتمر إلى صراع مصالح بين أطراف الحوار، وسوف تعرف مجموعات الضغط القوية كيف تحمي مصالحها على حساب مصالح الآخرين، ولكن كيف يمكن حماية مصالح الفقراء والمهمّشين وممن ليس لهم تمثيل حقيقي في المؤتمر؟ أم أن حمزة لا بواكي له!

هذا ليس المؤتمر الأول للحوار بين الحكومة والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، وخصوصا القطاع الخاص، فقد سبق ذلك مؤتمرات وحوارات عديدة، وقد نجحت تلك المؤتمرات والحوارات لأن الإعداد لها كان جيدا، وكانت الأهداف واضحة والأدوار واضحة والآليات واضحة، وكانت هناك أوراق عمل معدة مسبقا وجيدا، وكانت هناك لجان تحضيرية وأجندة محددة ومتفق عليها. أما هذا المؤتمر، فيبدو أن عقده تم بشكل متسرع لمعالجة قانون وتعديلات تم إقرارها بشكل متسرع أيضا. وبالرغم من الشعور بأن الإعداد للمؤتمر لم يكن جيدا، فإننا نأمل أن ينجح الحوار في تحقيق أهدافه المعلنة، فنجاحه في تحقيق تلك الأهداف يصب في مصلحة الوطن والمواطن.

HS

دروس من اليونان..  

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏19/02‏/2012

استوقفتني قبل فترة قصيرة صورة لرئيس الوزراء الفلسطيني، د. سلام فياض، مع رئيس الوزراء اليوناني السابق، جورج باباندريو، في أعقاب اجتماع لهما في رام الله. وتساءلت حينها، ترى أي الرجلين كان يشكو همّه إلى الآخر؟ وأثار ذلك في نفسي فضولا حول مدى التشابه والتقارب بين الأزمتين الماليتين، اليونانية والفلسطينية، بالرغم من التباين الكبير في حجميهما. فقد شهد كل من الاقتصاد اليوناني والفلسطيني توسعا ملحوظا في الإنفاق الحكومي لعدة سنوات، نجم عنه عجز كبير في الموازنة العامة، ودين عام متزايد للقطاع الخاص وغيره (وإن تفاوتت الأرقام والنسب)، ووجد كل منهما نفسه في أزمة خانقة، اضطر معها لاتخاذ إجراءات تقشفية قاسية أثارت عواصف من الاحتجاجات والاضطرابات. ولا تزال الأزمة في كل من البلدين تحلّق فوق الرؤوس، تبحث عن حلول تبدو مستعصية، وتنذر بعواقب تبدو صعبة وقاسية. وخطر لي أن عرضا لتطورات الأزمة المالية اليونانية قد يفيد في استخلاص بعض الدروس التي يمكن أن يستفيد منها الفلسطينيون في معالجتهم للأزمة المالية، خصوصا وأن المرحلة الأولى من الحوار الاقتصادي الوطني قد انتهت وانتقل الحوار إلى مرحلة أخرى. لدي ملاحظات عديدة حول ما تسرّب من تفاصيل هذا الحوار، ولكني سأحتفظ بها إلى وقت لاحق، وسأكتفي هنا باستعراض تجربة اليونان وما فيها من عبر ودروس لمن يرغب الاستفادة.

 خلال السنوات الأولى من العقد الماضي، شهد الاقتصاد اليوناني نموا سريعا بفضل تدفق رأس المال الأجنبي وزيادة الإنفاق الحكومي بشكل مضطرد، ما نجم عنه عجز كبير متكرر في الموازنة العامة. وقد ساعدت معدلات الفائدة المنخفضة على اقتراض مبالغ ضخمة لتمويل هذا العجز، ما أدى إلى تراكم الدين العام دون أن تتخذ الحكومات اليونانية المتعاقبة إجراءات حقيقية لوقف ذلك، بل تبين أن تلك الحكومات قامت بتزوير الإحصاءات الرسمية الخاصة بوضعها الاقتصادي من أجل أن تُظهر التزامها بالمعايير التي وضعها الاتحاد الأوروبي على حجم العجز الحكومي والدين العام، وأنها دفعت مئات الملايين من الدولارات إلى مؤسسة غولدن ساكس المصرفية وبعض البنوك الأخرى لترتيب بعض الصفقات التي تخفي المستوى الحقيقي للاقتراض، بحيث تتمكن الحكومة من الاستمرار في الإنفاق الكبير في الوقت الذي تخفي فيه العجز الحقيقي عن الاتحاد الأوروبي.

انفجرت الأزمة المالية اليونانية مع بداية التراجع الاقتصادي العالمي عام 2007، والذي كان تأثيره على الاقتصاد اليوناني كبيرا، خصوصا على القطاعين الرئيسين فيه وهما السياحة والملاحة. وحاولت الحكومة تنشيط الاقتصاد بمزيد من الإنفاق، فبدأ العجز الحكومي يتراكم بسرعة، وبدأت الأزمة تتفاقم، تم بدأ القلق يتزايد حول ديون اليونان، خصوصا عندما تبين الحجم الحقيقي لتلك الديون. وزاد القلق بعد أن تم تخفيض التصنيف الائتماني لليونان وسط شكوك حول قدرتها على تسديد ديونها. وقد أثار ذلك مخاوف متزايدة من أن تنتقل عدوى الأزمة المالية إلى دول أخرى في منطقة اليورو، وخصوصا تلك التي تعاني من عجز حكومي ودين عام كبيرين، مثل البرتغال وأيرلندا وإسبانيا، ما سبب اضطرابات كبيرة في أسواق المال الدولية.

في أيار 2010، صادق الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي على خطة إنقاذ لليونان بقيمة 110 مليار يورو شريطة تطبيقها تدابير قاسية لتخفيض العجز. وقد اضطرت الحكومة اليونانية فعلا إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات التقشفية القاسية على عدة مراحل شملت تجميد رواتب جميع موظفي الدولة، ثم تخفيض رواتب الموظفين في القطاع العام والقطاع الخاص، وزيادة ضريبة القيمة المضافة، وزيادة الضرائب على الوقود والدخان والكحول وعلى بعض الكماليات، وزيادة الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة، وفرض ضرائب عالية على أرباح الشركات، وزيادة الضرائب على الدخول ورواتب التقاعد المرتفعة، وفرض ضريبة عقارية جديدة، وزيادة سن التقاعد وتخفيض معاشات التقاعد، وتخفيض عدد البلديات، وبيع ممتلكات حكومية، وتطبيق قوانين جديدة صارمة ضد التهرب الضريبي. وقد جوبهت تلك الإجراءات بإضرابات عامة واحتجاجات عنيفة وصدامات مع الشرطة نجم عنها مئات الجرحى وعدد من القتلى.

لم تكن حزمة الإنقاذ الأولى ولا الإجراءات التقشفية السابقة كافية لمعالجة أزمة اليونان المالية. وفي شهر تشرين أول الماضي أقر الاتحاد الأوروبي حزمة إنقاذ ثانية لليونان بقيمة 130 مليار يورو، ولكنه وضع شروطا قاسية لصرفها تشمل تخفيض العجز الحكومي للعام الحالي بمبلغ 325 مليار يورو، وتقديم التزام خطي من رؤساء الأحزاب اليونانية الرئيسية بتنفيذ شروط خطة الإنقاذ قبل الحصول على الأموال. وحاول باباندريو، رئيس الوزراء، أن يعرض الخطة لاستفتاء عام، ولكنه تعرّض لضغوط شديدة اضطر معها لإلغاء الاستفتاء. وفي تشرين ثاني الماضي، استقال جورج باباندريو وحل مكانه لوكاس باباديموس، محافظ بنك اليونان ونائب رئيس البنك المركزي الأوروبي سابقا، إلى حين إجراء انتخابات مبكرة في شهر نيسان القادم.

قبل أيام، وفي 13 شباط الحالي، أقر البرلمان اليوناني تدابير تقشفية جديدة لتلبية شروط دول اليورو وسط مظاهرات عارمة في أثينا جرح خلالها العديد من الأشخاص. وشملت تلك التدابير تخفيض الحد الأدنى للأجور بنسبة 22%، والتخلص من أعداد كبيرة من موظفي القطاع العام،  وتقليص الإنفاق على الصحة والدفاع، وخصخصة بعض الممتلكات الحكومية. ولكن تلك الإجراءات لم تكن كافية لإقناع وزراء مالية اليورو بحجة أن اليونان عجزت عن توضيح كيفية سد عجز الموازنة للعام الجاري، كما فشلت الحكومة اليونانية في إقناع كافة الأحزاب السياسية بالتعهد بتنفيذ إجراءات التقشف عقب الانتخابات المقبلة. ولا تزال الأمور عالقة عند كتابة هذه السطور.

كما نرى، لم تكن أزمة اليونان المالية وليدة هذا اليوم أو هذه السنة، وإنما كانت نتيجة حتمية لسنوات من الإنفاق غير المنضبط، وعدم اتخاذ إجراءات سريعة (قد تكون غير محبوبة) لتطبيق الإصلاحات المالية المطلوبة، وتغليب الأهداف الشعبوية قصيرة المدى على الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى. أما معالجة الأزمة من خلال إجراءات تقشفية قاسية مثل التي قامت بها الحكومة اليونانية، فيجمع الكثيرون على أن تأثيرها سيكون سلبيا جدا، خصوصا على الاستثمار والنمو، وسيمتد لسنوات طويلة. وبالرغم من أن هذه التدابير التقشفية الصارمة قد تؤدي إلى تخفيض العجز الحكومي، إلا أنها سوف تجرّ البلاد إلى ركود اقتصادي عميق، بدأ فعلا منذ فترة. فحسب تقرير حديث لصندوق النقد الدولي، انخفض الإنتاج الصناعي اليوناني عام 2011 بأكثر من 28% مما كان عليه عام 2005، وزاد عدد الشركات التي أفلست عام 2011 بنسبة 27% مقارنة بالعام الذي سبقه، وارتفعت معدلات البطالة إلى حوالي 20%، بل وصلت بين الشباب إلى حوالي 48%. كما أن الآثار الاجتماعية على المجتمع اليوناني تبدو قاسية جدا، خصوصا على الفقراء والمحتاجين، حيث تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من ثلث سكان اليونان قد وقع تحت خط الفقر خلال العام 2011. بل إن أحد مسؤولي الأمم المتحدة حذّر من أن الإجراءات التقشفية التي تقوم بها الحكومة اليونانية قد تعتبر انتهاكا لحقوق الإنسان.

هذا سرد سريع للأزمة المالية اليونانية، وكنت قد وضعت بعض الملاحظات حول الدروس التي يمكن استخلاصها من تلك التجربة، خصوصا ونحن نبحث عن حلول للأزمة المالية الفلسطينية، ولكني فضلت أن أترك الأمر مفتوحا لمن يرغب في تحليل الأسباب ومقارنة الأحداث والوصول إلى الاستنتاجات.

HS

 السياسة الضريبية في ظل بروتوكول باريس

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏04/03‏/2012

استحوذت السياسة الضريبية للسلطة الوطنية الفلسطينية على جزء كبير من النقاش الذي جرى خلال الأشهر القليلة الماضية، وبالذات منذ صدور قانون ضريبة الدخل الجديد وتعديلاته، وظهر من خلال هذا النقاش أن البعض يخلط بين أنواع الضرائب، وبالذات بين ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة بشكل خاص، وبين الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة بشكل عام. وتحدث البعض عن هذه الضرائب وكأنها نوع واحد، ودعا البعض لإلغاء ضريبة القيمة المضافة على عدد من السلع أو تخفيضها بشكل كبير، وطالب كثيرون بإعادة النظر في السياسة الضريبية بمجملها، وهو أمر جيد ولكنه قد ينم عن جهل لبعض الحقائق حول هذه الضرائب وأنواعها وقدرة السلطة الوطنية على السيطرة عليها في ظل بنود بروتوكول باريس. سوف يفيد توضيح بعض الأمور، وبالذات التمييز بين الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة، في تقدير الحدود التي تستطيع معها السلطة الوطنية الفلسطينية ممارسة سياسة ضريبية كفؤة وفعالة في حدود الإمكانيات المتاحة لها.

للتذكير والتوضيح، فالضرائب المباشرة هي الضرائب التي يدفعها المكلفون (أفرادا وشركات) مباشرة إلى خزينة الدولة، مثل ضريبة الدخل على الأفراد أو المؤسسات وضريبة الأملاك، وهي ضرائب لا يمكن نقلها أو تحويلها من دافع الضرائب إلى شخص آخر. أما الضرائب غير المباشرة فهي الضرائب التي يتم تحصيلها عن طريق وسيط (مثل محل البيع بالتجزئة)، وبالتالي يدفع مستهلك السلعة أو الخدمة قيمة الضريبة بطريقة غير مباشرة، ومثال على ذلك ضريبة القيمة المضافة والجمارك والمكوس على السجائر والمحروقات والمشروبات.

تأتي أهمية التمييز بين هذين النوعين من الضرائب في الحالة الفلسطينية ليس فقط بسبب تأثيرهما المتباين على المتغيرات الاقتصادية المختلفة، ولكن أيضا بسبب التباين في حجمهما ودرجة السيطرة عليهما. بالنسبة لتأثير هذه الضرائب، فمن المعروف أن الضريبة غير المباشرة (ضريبة القيمة المضافة أو الرسوم الجمركية مثلا) تؤدي إلى ارتفاع تكلفة السلعة بالنسبة للتاجر، ما يضطره لرفع سعر السلعة بقيمة الضريبة أو بجزء من تلك الضريبة، حسب طبيعة السلعة وضرورتها ووجود بدائل أخرى لها (وهو ما اصطلح الاقتصاديون على تسميته مرونة السعر). ويؤدي ارتفاع الأسعار إلى تخفيض الكمية التي يشتريها الأفراد من السلعة، ما يؤدي بدوره إلى نقص الإنتاج. أما الضرائب المباشرة (ضريبة الدخل مثلا) فليس لها تأثير مباشر على الأسعار والإنتاج لأنها لا تؤثر في تكلفة الإنتاج، خصوصا في المدى القصير، ولكنها تقتسم جزءا من الأرباح التي يحصل عليها البائع وتؤدي بالتالي إلى إعادة توزيع الدخل، بمعنى أن جزءا من الأرباح التي كانت تمثل دخلا للبائع تنتقل إلى الحكومة كإيرادات أو دخل تنفقه على أنشطتها التي يستفيد منها أفراد المجتمع. وهناك من يربط ذلك بالعدالة الاجتماعية نظرا لأن الأغنياء يتحملون الجزء الأكبر من هذه الضريبة، خصوصا عندما تكون الضريبة تصاعدية، ما يعني أن هذه الضرائب المباشرة أكثر عدالة من الضرائب غير المباشرة التي تقتطع نسبة أكبر من دخل الفقراء. ولكن الضرائب غير المباشرة يمكن أن تكون أيضا تصاعدية من خلال فرض ضريبة أعلى على السلع الكمالية وإعفاء السلع الأساسية أو تخفيض الضريبة عليها. بالمقابل، هناك من يقول أن زيادة الضرائب المباشرة، وبالذات الضريبة على الأرباح، يمكن أن تضر بالطبقات الفقيرة، لأن الشركات التي لا تحصل على أرباح كافية تغلق أبوابها أو تنقل عملياتها إلى مكان آخر، وبالتالي يتم حرمان أعداد كبيرة من الأشخاص من وظائفهم، ما يعني زيادة البطالة وانخفاض الدخول لهؤلاء الفقراء. كما أن زيادة معدلات الضرائب المباشرة (وبالذات ضريبة الدخل) تؤدي إلى انخفاض معدل العائد على الاستثمار وإلى نقص حجم الادخار، ما ينعكس سلبا على حجم الاستثمار ومعدلات النمو الاقتصادي.

يدور جدل كبير في معظم الدول حول المفاضلة بين الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة، وأيهما أكثر عدالة أو كفاءة أو تحقيقا للإيرادات، وتحاول جميع الدول أن توازن بين هذه الضرائب لتحقيق مزيج أفضل يتناسب مع ظروفها وأهدافها الاقتصادية والاجتماعية. لكن الأمر في الحالة الفلسطينية أكثر تعقيدا من ذلك، فالخيارات المتاحة أمام السلطة الوطنية الفلسطينية في استخدام هذه الضرائب محدودة، وبالذات الضرائب غير المباشرة.

حسب بنود بروتوكول باريس، تتمتع السلطة الوطنية الفلسطينية بحرية تحديد وتغيير نسب الجمارك وضريبة الشراء والضرائب والرسوم الأخرى فقط على السلع الواردة في القوائم  (A1) و (A2) و (B)  وعلى السيارات المستوردة التي يتم تسجيلها لدى السلطة الوطنية. وفي حين يعطي بروتوكول باريس الحق للجانب الفلسطيني في أن يحدد وينظم بشكل مستقل سياساته الضريبية الخاصة بأمور الضرائب المباشرة، بما في ذلك ضريبة دخل الأفراد والشركات وضريبة الأملاك والضرائب والرسوم البلدية، فإنه يقيّده في تحديد نسبة الضرائب غير المباشرة، ويتطلب أن تكون هذه النسبة على المنتجات المحلية مشابهة للنسبة على البضائع المستوردة، وبحيث لا تقل ضريبة القيمة المضافة الفلسطينية عن 2% من نسبة قيمة الضريبة المضافة الإسرائيلية. أي أن حرية السلطة الوطنية في اختيار السياسة الضريبية المناسبة مقيّدة بما تنصّ عليه هذه البنود في بروتوكول باريس. ويزيد الأمر صعوبة أن جزءا كبيرا من هذه الضرائب يتم تحصيلها بواسطة السلطات الإسرائيلية نيابة عن السلطة الوطنية الفلسطينية ويتم تحويلها من خلال ترتيبات المقاصة، ما يتيح مجالا كبيرا للتسرب الضريبي الذي يكلف السلطة الوطنية أكثر من 250 مليون دولار سنويا، حسب بعض التقديرات.

هذا يعني أن السلطة الوطنية الفلسطينية لا تستطيع أن تحدد سياساتها الضريبية بشكل يتناسب مع ظروفها واحتياجاتها وأهدافها التنموية لأن كثيرا من الضرائب غير المباشرة ليست تحت سيطرتها وليست تحت تصرفها. وإذا نظرنا إلى حجم هذه الضرائب، نلاحظ أن عائدات الضرائب غير المباشرة تمثل معظم الإيرادات الكلية للسلطة الوطنية، بينما لا تزيد مساهمة الضرائب المباشرة عن 7% من إجمالي صافي الإيرادات. ففي العام الماضي (2011)، بلغت قيمة إيرادات ضريبة الأملاك وضريبة الدخل، سواء التي يتم جبايتها محليا أو عن طريق المقاصة مع إسرائيل، حوالي 515 مليون شيقل، من أصل 7300 مليون شيقل إجمالي صافي الإيرادات، أما الباقي فهو موزع بين ضرائب غير مباشرة (القيمة المضافة والجمارك وضريبة المحروقات ومكوس المشروبات والسجائر) وإيرادات غير ضريبية، ما يعني أن زيادة ضريبة الدخل بمقدار الضعف لن يزيد إيرادات السلطة بأكثر من 150 مليون دولار.

يوضح ما سبق المعضلة التي تواجه السياسة الضريبية الفلسطينية، فزيادة الضرائب غير المباشرة، وبالذات ضريبة القيمة المضافة التي تمثل أكثر من نصف الضرائب غير المباشرة، ليست تحت تصرف السلطة الوطنية الفلسطينية، وزيادة الضرائب المباشرة، التي هي تحت تصرف السلطة الوطنية، لا توفر الإيرادات اللازمة لمعالجة الأزمة المالية للسلطة الوطنية، ناهيك عن المخاطر والآثار السلبية لهذه الزيادة على الاستثمار ومعدلات النمو في المدى البعيد. وفي حين أن السياسة الضريبية تتطلب تحقيق توازن بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة، فإن السلطة الوطنية لا تملك مثل هذه الخيارات، وبالتالي تظل قدرتها على اتخاذ سياسات ضريبية كفؤة وفعالة منقوصة في الوقت الراهن.

 

HS

الحوكمة..  مصطلح جديد ومفهوم قديم

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏18/03‏/2012

عقدت خلال الأسبوعين الماضيين عدة ندوات ومحاضرات حول الحوكمة في فلسطين، وكان لي حظ المشاركة في معظمها، وأسعدني أن ألحظ زيادة حجم المشاركة ونوعية المشاركين في تلك اللقاءات، خصوصا وأن هذا المفهوم كان غامضا جدا بالنسبة لكثير من الناس قبل سنوات قليلة، وكان تأثيره على الاقتصاد والمؤسسات والمجتمع أكثر غموضا. وربما كان الأمر لا يزال كذلك لشريحة كبيرة من الناس، ما يجعل مناقشته وتحليل انعكاساته أمرا يستحق المحاولة.

هناك أكثر من تعريف للحوكمة، بعضها ضيق وبعضها واسع، ولست هنا في معرض الخوض في تلك التعريفات لأنها ليست بيت القصيد. سأكتفي بتعريف بسيط (استخدمته مؤسسة التمويل الدولية) يعرّف الحوكمة بأنها الأسلوب أو النظام الذي يتم من خلاله إدارة الشركات والتحكم في أعمالها. بعبارة أخرى، فإن الحوكمة تعني، ببساطة، أسلوب ممارسة إدارة الشركة لسلطاتها بما يحافظ على حقوق حملة الأسهم وحملة السندات والعاملين بالشركة والدائنين وأصحاب المصالح الأخرى. وهذا يتطلب أن تتصف ممارسات الإدارة بالنزاهة والشفافية والمساءلة.

خلال السنوات الماضية جرت العديد من الدراسات حول تأثير الحوكمة على مؤشرات الأداء الاقتصادي، سواء على مستوى المؤسسات أو على مستوى الاقتصاد ككل. وقد أظهرت معظم تلك الدراسات، إن لم يكن جميعها، أن هناك علاقة طردية بين درجة تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة ومستوى أداء المؤسسات الاقتصادية، وخصوصا الشركات المساهمة العامة. كما أظهرت دراسات أخرى وجود علاقة طردية بين مدى تطبيق مبادئ الحوكمة ومستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدولة. وقد بيّنت تلك الدراسات أن تطبيق مبادئ الحوكمة يساعد الشركات على الحصول على التمويل اللازم لنشاطاتها بتكلفة رخيصة، كما أنه يقلل من حجم الهدر الذي قد ينجم عن الممارسات الخاطئة، ما يعني قلة تكاليف الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية لتلك الشركات، وبالتالي زيادة أرباحها وقيمتها السوقية. أما على مستوى الاقتصاد ككل، فإن الحوكمة تسهم في الحد من الفساد وزيادة الثقة بالاقتصاد وتحسين البيئة الاستثمارية في الدولة، وبالتالي زيادة التدفقات الرأسمالية للبلد واستقرار أسواق المال، ما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وفي محاربة البطالة والفقر. وقد أظهر تقرير أصدره الأمين العام للأمم المتحدة عام 1998 أن الحوكمة الرشيدة قد تكون أهم عامل في محاربة الفقر وتعزيز التنمية. كما أشار تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للإنماء (UNDP) أن هناك إجماعا دوليا متناميا بأن الحوكمة الرشيدة والتنمية البشرية المستدامة لا ينفصلان. وقد ربطت كثير من الدراسات بين الحوكمة والديمقراطية من حيث تعزيز الشفافية والمحاسبة وسلطة القانون واحترام حقوق الإنسان والمشاركة المدنية وغيرها. وأظهرت دراسات أخرى أن الحوكمة تساهم في زيادة الإنتاجية وفي تحقيق عدالة أفضل في توزيع الدخل.

ربما كان “مصطلح الحوكمة” جديدا في أدبيات الإدارة والتنمية حيث لم يظهر سوى منذ أعوام قليلة فقط، ولكن “مفهوم الحوكمة” قديم جدا ويعود إلى عشرات السنين. ففي العام 1932، نشر أدولف بارلي و جاردنر مينز كتابهما الشهير حول الشركة العصرية والملكية الخاص Modern Corporation and Private Property الذي يعتبر حجر الأساس لمفهوم الحوكمة. النظرية التي يروّج لها هذا الكتاب تقول أن زيادة حجم الشركات الكبرى أدت إلى فصل الملكية عن الإدارة في تلك الشركات. فالشركات المساهمة العامة يملكها عادة آلاف المساهمين ممن لا يهتمون بإدارة شؤونها اليومية، بينما يسيطر على تلك الشركات ويتحكم فيها عدد قليل من المدراء الذي لا يملكون سوى نسبة ضئيلة من رأس المال. النتيجة هي أن مدراء الشركة يقومون غالبا بإدارة موارد الشركة بشكل يتناسب مع مصالحهم الشخصية دون اعتبار لمصلحة المساهمين (أصحاب الشركة الفعليين) بالرغم من أن هؤلاء المدراء يعتبرون وكلاء لأصحاب الشركة وموظفين لديهم، وهو ما يعرف بمشكلة الوكالة agency problem. وقد جرت محاولات كثيرة للسيطرة على سلوك مدراء الشركات وتخفيف مشكلة الوكالة، بعضها من خلال ربط مكافآت المدراء بأرباح الشركة وأسعار أسهمها أو اشتراط ملكية المدراء نسبة محددة من أسهم الشركة. ولكن مدراء بعض الشركات أخذوا يلجأون إلى ممارسات غير قانونية، من بينها إخفاء معلومات هامة حول وضع الشركات التي يعملون بها، وأحيانا تزوير البيانات أو التلاعب بالأرقام والحسابات التي يمكن أن تؤثر سلبا على أرباح الشركات وبالتالي أسعار أسهمها. وقد أدى اكتشاف الكثير من تلك الحالات إلى فقدان الثقة بتلك الشركات وبالأسواق المالية بشكل عام، خشية أن لا تعكس أسعار الأسهم المعروضة في تلك الأسواق الأوضاع الحقيقية للشركات، ما  أظهر الحاجة إلى وضع أسس ومبادئ للحوكمة تقوم على الشفافية والنزاهة والإفصاح وحق مساءلة إدارة الشركة وتنظيم العلاقة بينها وبين المساهمين والمستثمرين وأصحاب المصالح الأخرى.

زاد الاهتمام بالحوكمة بشكل أكبر في نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، خصوصا بعد انفجار الأزمة المالية لدول جنوب شرق آسيا عام 1997 وأزمة الرهن العقاري عام 2007 وأزمة الديون السيادية الحالية في منطقة اليورو، وانهيار شركات ضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية، مثل شركة آرثر أندرسون للتدقيق وشركة انرون وشركة الاتصالات العملاقة وورلد كوم وغيرها. وظهرت عدة محاولات لوضع مدونات ومعايير للحوكمة، من أشهرها معايير حوكمة الشركات التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD عام 1999 والإرشادات الخاصة بالحوكمة في المؤسسات المصرفية التي وضعتها لجنة بازل عام 1999، ومبادئ الحوكمة التي نشرتها مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي عام 2003، وغيرها.

في فلسطين، بدأ الاهتمام بالحوكمة منذ عدة سنوات، وظهر عدد من المؤسسات المهتمة بأمر الحوكمة مثل هيئة سوق رأس المال وسلطة النقد ومؤسسة أمان ومعهد الحوكمة الفلسطينية وغيرها، وظهرت مدونات للحوكمة في قطاع البنوك وفي الشركات المساهمة العامة، وحقق بعضها نجاحا ملحوظا، وبالذات في القطاع المصرفي، ولكن التقدم كان بطيئا في القطاعات الأخرى. ربما يعزى هذا البطء في تطبيق مبادئ الحوكمة إلى أن جزءا كبيرا من تلك المبادئ لا يزال اختياريا، وربما لأن الإطار التشريعي لعمل مؤسسات القطاع الخاص غير مكتمل، وربما أيضا لقلة الوعي بمفهوم الحوكمة ومبادئها ومدى تأثير تطبيق تلك المبادئ على أداء الشركات بشكل خاص وعلى الاقتصاد الفلسطيني بشكل عام.

على المدى القريب، نأمل أن تصبح مبادئ الحوكمة إلزامية وأن تكون جزءا من التشريعات التي تنظم العلاقة بين الإدارة من جهة وبين مساهميها وعملائها ودائنيها والعاملين فيها من جهة أخرى، وأن يتم تعديل التشريعات القائمة لتتناسب مع مبادئ وقواعد الحوكمة الرشيدة المتعارف عليها عالميا. كما نأمل أن تمتد تلك المبادئ إلى الشركات الخاصة والعائلية والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، وأن يتم التأكد من تطبيقها بشكل سليم. أما في المدى الطويل، فنأمل أن تكون الحوكمة مكوّنا رئيسيا في ثقافة الإنسان الفلسطيني وجزءا أساسيا من قيم النزاهة والشفافية والمساءلة التي يؤمن بها ويمارسها في سلوكه اليومي. فالحوكمة هي قيمة بحدّ ذاتها وليست فقط وسيلة للوصول إلى غاية. إن وجود الحوكمة لا يضمن نجاح الشركات وتفوقها على منافسيها، ولكن عدم وجود الحوكمة هو وصفة مؤكدة لفشل الشركات وخروجها من السوق. هكذا يقول المنطق والنظرية، وهكذا علمتنا تجارب الآخرين.

HS

ركود أم انتعاش.. قراءة في تقرير البنك الدولي

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏01/04‏/2012

فاجأت البيانات الأخيرة حول معدل النمو الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية بعض المراقبين وأصابتهم بنوع من الدهشة، فقد بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي عام 2011 حوالي 10.7%، وهو رقم لا يتناسب مع القلق التي ظهر في الشهور الأخيرة من إمكانية حدوث ركود اقتصادي نتيجة الأزمة المالية الحادة التي تمر بها السلطة الوطنية، والتشاؤم الذي صاحب عدم قدرة الحكومة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها تجاه المقاولين وموردي الأدوية وغيرهم. وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام معدلات النمو خلال السنوات الخمس الماضية، فسوف يبدو و “كأن” هناك نموا مستداما ومضطردا في الأراضي الفلسطينية. فقد بلغ معدل النمو خلال هذه السنوات الخمس حوالي 8% سنويا، وهو رقم يمكن أن تحسدنا عليه كثير من دول العالم، بما في ذلك دول العالم الأول. أين هي المشكلة أذن؟

المشكلة تظهر في التفاصيل التي تعكس صورة مختلفة ومتناقضة. ففي الضفة الغربية انخفض معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي بشكل مضطرد خلال السنوات الماضية، من حوالي 14% عام 2008 إلى 5.8% خلال العام الماضي، كما انخفض معدل النمو في حصة الفرد من الناتج الإجمالي في الضفة الغربية من حوالي 11% عام 2008 إلى أقل من ثلاثة في المائة عام 2011، وهي نسبة متواضعة، ولكنها متوقعة، في ظل الأزمة المالية التي عانت منها الحكومة الفلسطينية خلال العام الماضي. ويعزو البنك الدولي هذا الركود في النشاط الاقتصادي للضفة الغربية إلى عاملين أساسيين، أولهما تراجع حجم المساعدات الدولية التي تقدمها الدول المانحة، وثانيهما القيود التي تفرضها إسرائيل على حرية الحركة للأفراد والسلع، إضافة إلى توقفها أو تهديدها بالتوقف عن تحويل مستحقات الضريبة التي تجبيها نيابة عن السلطة الوطنية الفلسطينية.

من أين جاء ذلك النمو في الناتج الإجمالي للأراضي الفلسطينية إذن؟ لا يحتاج المرء إلى جهد كبير ليدرك أنه جاء من قطاع غزة. فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن معدل النمو في القطاع بلغ خلال العام الماضي 26.6%، وهو أعلى بكثير من معدل 15% في العام الذي سبقة (2010)، ومن حالة عدم النمو التي سبقت ذلك (أقل من 1% عام 2009). ويعزو البنك الدولي هذا الانتعاش في الاقتصاد الغزي إلى مجموعة من العوامل، أهمها طفرة الإنشاءات الممولة بشكل كبير من المعونات والمساعدات الخارجية، ضمن جهود الإعمار التي أعقبت الدمار الذي أصاب قطاع غزة في السنوات الماضية، كما يعزو ذلك أيضا إلى رفع أو تخفيف القيود التي تفرضها إسرائيل على دخول بعض المواد الخام وبعض مواد البناء إلى القطاع، وكذلك زيادة التجارة عبر الأنفاق مع مصر. ولكن الأهم من ذلك أن معدلات النمو “تبدو” مرتفعة بشكل ملحوظ خلال العام الماضي والعام الذي سبقه لأنها مبنية على قاعدة متدنية نتيجة تدهور أداء الاقتصاد الغزي خلال الفترة 2006- 2009 بسبب العدوان الإسرائيلي والحصار المستمر على القطاع والانقسام الذي انعكس سلبا على الاقتصاد في قطاع غزة.

لا يعني ذلك أن مستوى المعيشة في قطاع غزة أصبح قريبا من مستوى الدول المتقدمة، بل إنه وصل بالكاد إلى نصف مستوى المعيشة في الضفة الغربية (بلغت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عام 2011 حوالي 1,072 دولار في قطاع غزة مقابل 1,981 دولار في الضفة الغربية). وفي الواقع، إذا قارنا مستوى المعيشة في الوقت الحاضر بما كان الأمر عليه قبل سنوات، نلاحظ أن نصيب الفرد في قطاع غزة حاليا أقل بحوالي 20 في المائة مما كان عليه عند قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، حين بلغ 1,326 دولار. ونتيجة لذلك، انخفضت مساهمة قطاع غزة في النشاط الاقتصادي من حوالي 37% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني في منتصف التسعينات من القرن الماضي إلى حوالي 25% خلال السنوات الأخيرة. وبالتالي فإن ما حدث في قطاع غزة لا يعدو انتعاشاً محدوداً، ولم يكن كافيا للعودة بالأمور إلى ما كانت عليه في السابق.

من ناحية أخرى، لم يصاحب الانتعاش الحالي في قطاع غزة، كما لم يصاحب الانتعاش السابق في الضفة الغربية، تراجع ملحوظ في معدلات البطالة التي ظلت تمثل حوالي ربع قوة العمل الفلسطينية، أو انخفاض في حجم العجز التجاري أو زيادة في الصادرات، وهو ما دفع البنك الدولي في تقريره المقدم إلى اجتماع الدول المانحة في بروكسيل قبل حوالي عشرة أيام إلى التشكيك باستدامة هذا الانتعاش أو النمو، والتحذير من أن الأزمة المالية الحادة التي تعاني منها السلطة الوطنية سوف تعرض المكاسب التي حققتها السلطة في بناء المؤسسات مؤخراً، ما لم تستمر مساعدات المانحين وما لم تخفف إسرائيل من قيودها على الحركة التجارية وتسمح للفلسطينيين بالوصول إلى مواردهم، وبالذات الأرض والمياه.

لم يأت تقرير البنك الدولي بأي جديد. فالركود في الضفة الغربية والانتعاش في قطاع غزة كلاهما ناجم بشكل أساسي عن عوامل خارجية ليست تحت سيطرة الفلسطينيين، وترتبط أساسا بالاحتلال الإسرائيلي. ولا تختلف التوصيات التي قدّمها البنك الدولي في تقريره الأخير عن التوصيات التي قدّمها في تقارير سابقة، والتي تطالب فيها مجتمع المانحين بدعم السلطة الوطنية، وتطالب إسرائيل بتخفيف القيود التي تفرضها على حركة البضائع والسلع، وتطالب السلطة الوطنية بتحسين البيئة الاستثمارية ومنح القطاع الخاص دورا رئيسيا في قيادة عملية التنمية، وهي أمور جيدة ولكنها تبدو وكأنها تحمل مسؤولية التدهور في الأوضاع الاقتصادية بالتساوي بين الدول المانحة والسلطة الوطنية وإسرائيل، وتتجاهل المطلب الرئيسي الذي يعالج المشاكل من أساسها، وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة. يعلم البنك الدولي، كما تعلم بقية المؤسسات الدولية أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تحدث في ظل الاحتلال، ولكن تقاريرهم جميعها لا تشير إلى ذلك بصراحة ووضوح، وتكتفي بتوصيات تهدف في الواقع إلى عدم تدهور الأوضاع فقط بدلا من تنمية الاقتصاد الفلسطيني.

HS

 التقاعد المبكر .. هل يحل المشكلة؟

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏15/04‏/2012

هناك ما يشبه المعضلة.. في الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول إلى زيادة سن التقاعد أو التضييق على التقاعد المبكر،  تحاول الحكومة الترويج لإحالة أكثر من ستة وعشرين ألف موظف في القطاع العام إلى التقاعد المبكر في إطار خطة التقشف التي أعدتها السلطة الوطنية الفلسطينية لمواجهة العجز المالي الحاد في الموازنة للعام 2012. وتبدو المعضلة أكثر تعقيدا حين نتذكر أن الحكومة نفسها كانت تحاول قبل عام تقريبا أن ترفع سن التقاعد من 60 سنة إلى 65 سنة. فما الذي حدث؟ وكيف يمكن تفسير ذلك التناقض؟

سأحاول تفسير هذه المعضلة، وسأبدأ بالتساؤل الأخير حول التناقض بين ما يجري الآن وما جرى قبل عام. يفسر هذا التناقضَ تناقضٌ آخر في السياسة المالية للحكومة. فقبل حوالي عام، كانت الحكومة تتبع سياسة توسعية بدأتها قبل ذلك بسنتين تقريباً، وكانت يتم تمويلها بشكل كبير من المساعدات الخارجية والاقتراض من القطاع المصرفي وتراكم مستحقات القطاع الخاص، ما أدى إلى نمو ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات 2008 – 2010 وصل معدله إلى حوالي ثمانية في المائة سنويا. ولكن الصورة اختلفت منذ منتصف العام الماضي مع تباطؤ الدعم الخارجي، وتراجع حجم مساعدات الدول المانحة، وتوقف إسرائيل المؤقت عن تحويل مستحقات السلطة الوطنية، ما نجم عنه عدم قدرة السلطة الوطنية على الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك رواتب موظفي القطاع العام، وجعل الحكومة تقلب سياستها المالية رأسا على عقب، وتلجأ إلى سياسة انكماشية تقشفية من خلال عدد من الإجراءات المختلفة، وبالذات رفع الضرائب وتقليل الإنفاق وبعض الإجراءات الأخرى التي ظهرت في مشروع الموازنة للعام 2012، ومن بينها التلويح بإمكانية اللجوء إلى التقاعد المبكر.

أما التناقض مع الدول الأخرى فيمكن تفسيره من خلال التعرف على طبيعة أنظمة التقاعد في تلك الدول مقارنة مع فلسطين. في جميع تلك الدول تشكل مساهمة المشتركين في صناديق التقاعد (ومعظمهم من القطاع الخاص)، والعائد على استثمارات تلك الصناديق، المصدر الرئيسي لإيراداتها. ونتيجة للتغيرات الديموغرافية خلال السنوات الماضية وزيادة أعمار المشتركين في برامج التقاعد، بدأت موارد تلك الصناديق بالنضوب بشكل غير متوقع، ما تسبب في ضغوط قوية على موازنات الحكومات في تلك الدول، ودفعها بالتالي إلى زيادة سن التقاعد لتخفيف الضغط على تلك الصناديق. هذا ما حدث ، مثلا، في ألمانيا التي رفعت سن التقاعد من 65 سنة إلى 67 سنة، وفي فرنسا التي رفعته من 60 سنة إلى 62 سنة، وفي غيرها من الدول. وقد أظهرت التقارير أن رفع سن التقاعد في فرنسا قبل عامين (ليصبح 62 سنة بدلا من 60 سنة) سوف يوفر على الموازنة العامة حوالي ثلاثين مليار دولار.

كما حاولت الكثير من الدول رفع سن التقاعد المبكر (كما حدث في الأردن) لتفادي عجز صناديق التقاعد أو مؤسسات الضمان الاجتماعي على تسديد التزاماتها نتيجة التغيرات الديموغرافية، لأن إحالة المشتركين إلى التقاعد المبكر يعني انخفاض مساهمة هؤلاء المتقاعدين في صندوق أو مؤسسة التقاعد من جهة، بالإضافة إلى قيام الصندوق أو المؤسسة بدفع رواتب التقاعد لهؤلاء المشتركين لفترة طويلة، ما يشير إلى زيادة الضغط على صناديق التقاعد ويهدد بإفلاسها.

في الحالة الفلسطينية، معظم المشاركين في نظام التقاعد حاليا هم موظفو القطاع العام الذين تتحمل الموازنة العامة معظم رواتبهم ومستحقاتهم التقاعدية، وبالتالي فإن إحالتهم إلى التقاعد المبكر سيخفف من فاتورة الرواتب التي تشكل أكثر من نصف النفقات العامة. ويعتمد حجم التوفير على عدد العاملين الذين سيتم الاستغناء عنهم. فإذا كانت فاتورة الرواتب لما يقارب 153 ألف موظف في القطاع العام تقارب 1.8 مليار دولار، حسب تصريح رئيس الحكومة، فإن رواتب 26 ألف موظف منهم تصل إلى أكثر من 300 مليون دولار، ما يعني أن إحالتهم إلى التقاعد المبكر (ودفع نصف رواتبهم) سوف يوفر على موازنة السلطة أكثر من 150 مليون دولار سنويا.

لا أحد ضد ترشيد النفقات أو تخفيض العجز في الموازنة، ولا يعارض كثيرون تقليص عدد العاملين في القطاع العام شريطة أن يكون الهدف هو عملية إصلاح إداري شاملة تهدف إلى معالجة الترهل وزيادة الكفاءة في القطاع العام، وأن يكون ذلك ضمن سياسة واضحة متناسقة تأخذ بالاعتبار انعكاسات ذلك على المدى المتوسط والبعيد. فالاستغناء عن عدد كبير من موظفي القطاع العام، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الفلسطيني من ارتفاع معدلات البطالة، سوف يفاقم، بدون شك، مشكلة البطالة خصوصا في ظل إغلاق السوق الإسرائيلي أمامهم وضعف قدرة القطاع الخاص على استيعاب العمالة الفائضة، ما يعني أنه لا يتبقى لهؤلاء المتقاعدين سوى الانضمام إلى صفوف البطالة أو الهجرة إلى بلاد الله الواسعة بحثا عن لقمة العيش، إضافة إلى ما يلحقه ذلك من ضرر لهؤلاء الموظفين الذين لن يجدوا في نصف راتبهم ما يكفي لسدّ متطلبات الحياة والمسؤوليات المتزايدة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، خصوصا وأن العشرات منهم ملتزمون بقروض من البنوك ولديهم أبناء في الجامعات وعليهم التزامات قد لا يستطيعون الوفاء بها. كما أن المهارات والخبرات المتوفرة لدى عدد كبير من موظفي القطاع العام الذين سيتم الاستغناء عنهم ليست هي المهارات المطلوبة لدى مؤسسات القطاع الخاص، ما يعني أن إحالتهم إلى التقاعد سيؤدي إلى بطالة هيكلية يحتاج التغلب عليها إلى جهد كبير وتكاليف أكبر من البطالة الاحتكاكية أو الدورية المعتادة. وأخيرا، فإن حصول هذا العدد من الموظفين على نصف رواتبهم يعني انخفاض الإنفاق الاستهلاكي لقطاع العائلات بشكل ملحوظ، وبالتالي انخفاض الطلب الكلي (خصوصا إذا صاحب ذلك انخفاض في الإنفاق الاستثماري)، وهو ما سيتبعه بشكل مؤكد ركود اقتصادي قد يطول ويتعمّق، ويؤدي إلى نتائج معاكسة لما يرغب فيه متخذ القرار الاقتصادي.

ربما يكون التقاعد المبكر امتيازا للحاصلين عليه إذا كان اختياريا وليس إجباريا، وربما يعالج جزءا من الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الوطنية في الوقت الحاضر، وربما يساهم في زيادة كفاءة القطاع العام وزيادة الإنتاجية فيه، ولكن يجب مقارنة ذلك كله بالآثار السلبية التي قد تنجم عن هذا القرار حتى لا تتم التضحية بمزايا تنموية كبيرة بعيدة المدى مقابل مكاسب محدودة قصيرة المدى.

HS

الجامعات الفلسطينية.. أزمة تمويل أم أزمة تعليم؟!

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏29/04‏/2012

قبل أيام، أرسلت بعض الجامعات بياناً إلى العاملين فيها تحذرهم من أزمة سيولة مقبلة وإمكانية عدم قدرة الجامعة على الوفاء بالتزاماتها نحوهم في الأشهر القادمة، وردّت نقابة العاملين بأنها تعتبر المساس بالرواتب خطاً أحمر وأنها ستتخذ خطوات نقابية لوقف ذلك، ما يهدد بموسم جديد من الإضرابات ومسلسل آخر من تعطيل العملية التدريسية أو عدم انتظامها نتيجة الأزمة المالية المستفحلة.

الأزمة المالية للجامعات الفلسطينية تشبه إلى حد كبير الأزمة المالية للسلطة الوطنية؛ كلاهما (الجامعات والسلطة الوطنية) تعانيان من عجز في الموازنة الجارية يؤدي في كثير من الأحيان إلى شلل وارتباك في نشاطهما اليومي، وتضطر كل منهما إلى البحث عن مصادر تمويل للنفقات الجارية، وتحاول كل منها استخدام وسائل غير مرغوب فيها لزيادة الإيرادات (رفع الضرائب في الحكومة وزيادة الأقساط في الجامعات) ولكنهما تواجهان مقاومة تضطرهما إلى التراجع، فتلجأ كل منهما لإجراءات صارمة للتقشف حتى لم يعد هناك ما يمكن التقشف فيه، كما تلجأ كل منهما إلى تحويل جزء كبير من النفقات الاستثمارية والتطويرية إلى نفقات جارية، مضحية بالأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى لصالح أهداف قصيرة المدى تساعدها على تجاوز الأزمات المتتالية وتفادي الإضرابات المتكررة والحيلولة دون توقف العمل لفترة طويلة. النتيجة في الحالتين متشابهة، “تسليك الأمور” في المدى القصير، وتراجع الاقتصاد الفلسطيني والتعليم الجامعي في فلسطين في المدى البعيد.

لن أسترسل في مقارنة الأزمتين، ولن أتحدث عن الأزمة المالية أو العجز الجاري للسلطة الوطنية، فقد تحدثت عن ذلك في أماكن كثيرة أخرى، ولكني سوف أقصر حديثي هنا على الأزمة المالية للجامعات، وأنا أدرك أن الحديث عن هذا الموضوع لم يتوقف منذ سنوات، وأنه استحوذ على مساحة كبيرة من النقاش في الندوات والمؤتمرات والأبحاث حتى لم يعد هناك الكثير مما يمكن إضافته، وربما لا تكون هناك حاجة للكتابة فيه من جديد سوى من قبيل دقّ طبول التحذير مرة أخرى للتأكيد بأن المشكلة تتفاقم وقد تصل مرحلة اللاعودة، وتنتقل لتصبح أزمة تعليم بدلا من أزمة تمويل.

لا بد من الإشارة، بداية، أن مشكلة التمويل الجامعي ليست حصرا على فلسطين، وإنما هي مشكلة تواجه معظم جامعات العالم بسبب ارتفاع تكاليف التعليم الجامعي ومحدودية مصادر التمويل، وهناك تذمر وشكاوى، وأحيانا إضرابات واضطرابات لفترات محدودة، في أماكن مختلفة من العالم بسبب ارتفاع الأقساط والديون الجامعية. الاختلاف في فلسطين أن مشكلة التمويل أصبحت صفة ملازمة للتعليم الجامعي منذ البدايات الأولى لمسيرته القصيرة وليست ظاهرة عابرة، وأصبح تعطيل الدراسة بسبب الأزمة المالية وتبعاتها أمرا شبه اعتيادي لا يثير حساسية ولا يشعل ضوءاً أحمر أو أصفر بالرغم من انعكاساته الخطيرة على المدى البعيد. فما هي الأسباب الحقيقية للمشكلة؟ ومن المسؤول عنها؟ وما هي تلك الانعكاسات الخطيرة في المدى البعيد؟

الأصل أن يدفع المستفيد من خدمة أو سلعة تكلفة تلك الخدمة أو السلعة، فإذا لم يكن هناك من هو مستعد لدفع تكلفة السلعة أو الخدمة فلن يتم إنتاجها. ينطبق ذلك على التعليم الجامعي كما ينطبق على سندويش الفلافل وأثاث المنزل والرعاية الطبية. والسؤال هو: من المستفيد من التعليم العالي، وبالتالي من المسؤول عن تحمل تكاليفه؟  من الواضح أن الشخص المتعلم يستفيد من الاستثمار في التعليم الجامعي من خلال الدخل المرتفع الذي يحصل عليه نتيجة تحصيله العلمي على شكل رواتب ومكافآت وامتيازات، إضافة إلى المكانة الاجتماعية والاستقرار العائلي وغيرها من المزايا غير المادية التي تميّز الشخص المتعلم عن غيره. المؤسسات التي يعمل بها الأشخاص المتعلمون تستفيد أيضاً من التعليم الجامعي لأنها تحصل على موظفين مؤهلين ذوي كفاءة عالية، ما يعني وفر في التكاليف وزيادة في أرباح تلك المؤسسات. المجتمع أيضاً يستفيد من التعليم الجامعي لأنه يحصل على مواطنين صالحين يشاركون في بناء الوطن وتطوير مؤسساته، وعلى قوة عاملة ماهرة ومتعلمة ذات إنتاجية عالية تزيد من قدرته على المنافسة، وتسهم بالتالي في زيادة الإنتاج وانخفاض البطالة والفقر وارتفاع مستوى الدخل، ما ينعكس إيجابا على مستوى المعيشة. الكل إذن يستفيد وبالتالي عليه أن يشارك في تحمل الأعباء والتكاليف.

ما يحدث في فلسطين أن الجميع يستفيد ولكنه لا يريد أن يتحمل التكاليف. يريد أن يحصل على المنافع التي تتحقق من التعليم الجامعي دون أن يدفع تكلفة ذلك التعليم الجامعي. هذه المشكلة معروفة جيدا في الأدبيات ويطلق عليها الاقتصاديون “الراكب المجاني Free Rider”، وهو مصطلح يطلق على من يريدون الحصول على منافع الشيء دون المساهمة في دفع تكاليف ذلك الشيء. الطلاب وأهاليهم يعتبرون أن التعليم حق لهم ويجب عليهم الحصول عليه مجانا (نعم هو حق لهم، مثل الطعام، ولكن الحصول عليه ليس مجانا)، وبالتالي تمت مقاومة أية زيادة في الأقساط الجامعية لتغطية الزيادة في التكاليف الجارية أو لتغطية التوسع في البرامج الجامعية وتطويرها. أصحاب العمل يفترضون أن من واجب الدولة (وربما الجامعات أيضا) أن توفر لهم خريجين مؤهلين يلبّون احتياجاتهم الوظيفية دون أن يدفعوا تكلفة ذلك، ويكتفون بالتذمر من وجود فجوة عميقة بين مخرجات التعليم الجامعي ومتطلبات سوق العمل، دون أن يسهم أحد منهم بتغطية حصته من التكاليف، إلا نزر يسير يأتي تحت بند المسؤولية الاجتماعية أو من باب العلاقات العامة. المجتمع (الحكومة) لا تسمح لها إمكاناتها تمويل حصتها من عملية التعليم، خصوصا في ظروف أزمة مالية مستعصية وفي ظل أولويات متزاحمة بعضها أكثر إلحاحا (ولو من الناحية السياسية)، وبعضها أكثر ظهورا للعيان، وبعضها لا يمكن تأجيله، وبالتالي لا تقدم الحكومة الفلسطينية للجامعات سوى نسبة تقل عن النصف مما تلتزم به، خصوصا في السنوات الأخيرة (في العام 2010 دفعت السلطة الوطنية 40% فقط من الدعم الذي وعدت به الجامعات، حسب ندوة عقدها معهد ماس في شهر أيلول الماضي). النتيجة أن حجم الإنفاق على التعليم الجامعي في فلسطين ضئيل جدا (مقارنة مع بقية العالم)، وبالتالي فإن مستوى التعليم الجامعي، سواء من حيث الكمية أو النوعية، أصبح أقل من المستوى الذي يرغب فيه المجتمع الفلسطيني. وقد أكدت ذلك بعض البيانات. ففي ندوة عقدها معهد ماس قبل فترة، أشار بعض المتحدثين إلى أن كلفة الطالب في فلسطين تتراوح ما بين 1000 الى 2000 دولار سنويا، بينما يبلغ في العالم ككل ما بين 15000 – 40000 دولار للشخص.

انعكس شح الموارد سلباً على التعليم الجامعي، واضطرت الجامعات الفلسطينية إلى تقليص نفقاتها إلى درجة بالكاد تسمح لها بالبقاء (حتى الآن على الأقل)، وبدأت بالتضحية بكل ما يمكن التضحية به، بدءاً من تخفيض الإنفاق على البحث العلمي، مرورا بزيادة نسبة الطلبة إلى الأساتذة، وانتهاء بعدم تطوير برامج جديدة، والتركيز على تخصصات غير مكلفة، وعدم إمكانية استقطاب أعضاء هيئة تدريس خصوصا من حملة الدكتوراه، وعدم القدرة على وقف هجرة الأدمغة من التخصصات النادرة، وعدم تحديث المختبرات والمكتبة وغيرها.

إلى أين يمكن أن تصل الأمور؟ لا يحتاج المرء إلى جهد ذهني كبير ليكتشف أن الجامعات الفلسطينية تواجه أزمة أكبر بكثير من أزمة التمويل المتكررة، تتمثل في تدهور مستوى التعليم الجامعي وتخريج طلبة لا يحتاج سوق العمل إلى مهاراتهم، ما يعني ضعف إنتاجية وكفاءة الخريجين وعدم قدرتهم على المنافسة في سوق العمل وزيادة معدلات البطالة بينهم.

هناك حلول مختلفة تمت مناقشتها في أكثر من مكان ولا يتسع مقال بهذا الحجم لاستعراضها بالتفصيل، من بينها إنشاء صندوق للطالب، وإنشاء صندوق وقفي للجامعات، وإقامة مشاريع مشتركة مع القطاع الخاص، وزيادة الضرائب، ورفع الأقساط للطلبة المقتدرين ومساعدة الطلبة المحتاجين من خلال مساعدات مالية أو قروض وغيرها. جميع هذه الحلول ممكنة (ولا يهدف هذا المقال إلى مناقشتها)، ولكنها تتطلب إدراكا من كافة فئات المجتمع، وبالذات الطلبة وعائلاتهم ومؤسسات الأعمال والحكومة، أنهم المستفيدون الحقيقيون من التعليم الجامعي، وبالتالي فإنهم مسؤولون عن تمويله وتطويره ورفع مستواه، كما تتطلب تعاونا حقيقيا بين الأطراف المختلفة للاتفاق على أهمية التعليم ضمن أولويات المجتمع الفلسطيني وعلى صيغة مقبولة لإنقاذ التعليم العالي من المزيد من التدهور.

ربما لا يزال ممكنا حتى الآن معالجة أزمة التعليم الجامعي في فلسطين من خلال معالجة مشكلة التمويل، ولكن ما لم تتم المبادرة إلى ذلك سريعا، فإن الأمور قد تصل إلى نقطة اللاعودة، وتصبح التشوهات في هيكل التعليم الجامعي وبنيته الأساسية أكبر من أن يمكن إصلاحها من خلال التمويل فقط، حينها تصبح لدينا أزمة تعليم مستعصية بدلا من أزمة تمويل قابلة للحل.

HS

انخفاض معدلات المشاركة في قوة العمل

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏13/05‏/2012

تظهر البيانات التي نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عشية الأول من أيار، يوم العمال العالمي، أن حجم قوة العمل في الأراضي الفلسطينية عام 2011 بلغ حوالي مليون شخص. أي أن ربع عدد السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة يعملون أو يبحثون عن عمل، وهي نسبة منخفضة مقارنة مع دول المنطقة ومعظم دول العالم. ويعزى انخفاض هذه النسبة إلى عدة أسباب، أهمها اتساع قاعدة الهرم السكاني، أي ارتفاع نسبة السكان الصغار ممن هم دون سن العمل. وقد أظهرت البيانات أن عدد الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة بلغ حوالي 1.7 مليون شخص في منتصف العام 2011، أي حوالي 41% من عدد السكان.

وحتى إذا استثنينا صغار السن واعتبرنا السكان في سن العمل، فإن نسبة المشاركة في قوة العمل تصل إلى حوالي 43% في الأراضي الفلسطينية، وهي أقل في قطاع غزة (38.4%) منها في الضفة الغربية (45.5). وبالرغم من أن هذه النسبة أفضل مما كانت عليه خلال السنوات العشر الماضية، إلا أنها لا زالت منخفضة مقارنة مع كثير من الدول العربية والدول المجاورة، حيث بلغت 50% في مصر، 54% في لبنان، 54% في المغرب، 52% في سوريا، 51% في تونس، 46% في الأردن، 50% في تركيا، 57% في إسرائيل.

بالإضافة إلى اتساع قاعدة الهرم السكاني، هناك مجموعة أخرى من الأسباب الاقتصادية وغير الاقتصادية لانخفاض معدلات المشاركة، من أهمها انخفاض مساهمة المرأة في قوة العمل والتي بلغت عام 2011 حوالي 17% فقط (مقارنة مع 69% للذكور). ويعزى ضعف مشاركة المرأة في قوة العمل إلى مجموعة من العوامل، من بينها العادات والتقاليد التي تحصر عمل المرأة في شؤون البيت، وارتفاع نسبة النساء اللواتي ينسحبن من سوق العمل بسبب الزواج أو تربية الأطفال دون أن يعدن إليه ثانية، إضافة إلى انخفاض المستوى التعليمي للإناث، ما يقلل من فرص العمل المتاحة أمامهن، ومنافسة الذكور لهن في سوق العمل، وإحجام المرأة عن العمل في بعض القطاعات مثل البناء والزراعة، وغيرها من الأمور الأخرى.

من بين الأسباب الهامة الأخرى لانخفاض معدلات المشاركة في قوة العمل وجود نسبة عالية من السكان ممن هم في سن العمل على مقاعد الدراسة في المراحل التعليمية المختلفة، خصوصا أفراد الفئة العمرية 15-24 سنة، والذين يقارب عددهم ثلاثمائة ألف شخص، حسب تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء، إضافة إلى كبار السن والمرضى ممن لا يشاركون في قوة العمل، ويصل علدد هؤلاء إلى أكثر من مائة وخمسين شخصا. كما أن هناك نسبة من الأشخاص المحبطين، وهم الأشخاص الذين يبحثون عن عمل لفترة طويلة دون جدوى، فيستنتجون أن فرصتهم في الحصول على وظيفة شبه معدومة وينسحبون من سوق العمل، أي يتوقفون عن البحث عن عمل. وهذه المجموعة قد تكون كبيرة في بعض الأحيان، خصوصا في الدول التي تكون نسبة البطالة فيها مرتفعة جدا وتستمر لفترة طويلة، مثل الأراضي الفلسطينية. هؤلاء الأشخاص المحبطون يعتبرون خارج قوة العمل، ما يؤدي إلى انخفاض نسبة المشاركة. ولكن يجب التذكير أن ارتفاع نسبة المشاركة في قوة العمل لا تعني بالضرورة تخفيض نسبة البطالة، وقد شهدت الأراضي الفلسطينية فترات عديدة ارتفعت فيها نسبة المشاركة ونسبة البطالة في نفس الوقت، أو انخفضت فيها النسبتان في نفس الوقت أيضا. فخلال فترة الاحتلال، مثلا، ولغاية منتصف الثمانينات، لم تتعد نسبة المشاركة في قوة العمل 35% في الوقت الذي كانت فيه معدلات البطالة منخفضة جدا. وبالمقابل، ارتفعت معدلات المشاركة خلال السنوات الأخيرة بالرغم من ارتفاع معدلات البطالة.

يثير انخفاض المشاركة في قوة العمل قلقا في جميع الدول لأنه يعني أن جزءا كبيرا من السكان في سن العمل لا يسهمون بأنشطة منتجة، ما يمثل خسارة للمجتمع. فعلى سبيل المثال، إذا كان حوالي 43% من السكان الناشطين اقتصاديا (في سن العمل) يستطيعون إنتاج 6.3 مليار دولار أمريكي (كما كان الحال في الأراضي الفلسطينية عام 2011)، فإن زيادة معدل المشاركة إلى 50% يمكن أن يؤدي إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من سبعة مليار دولار، ما يعني خسارة مئات الملايين من الدولارات بسبب وجود عدد كبير من السكان خارج قوة العمل.

كما يؤدي انخفاض المشاركة في قوة العمل إلى ارتفاع معدل الإعالة، والذي يقاس عادة بنسبة عدد السكان إلى عدد الأفراد العاملين (بالرغم من وجود تعريفات أخرى لهذا المصطلح). وقد وصل معدل الإعالة في الأراضي الفلسطينية عام 2011 إلى حوالي خمسة، أي أن الشخص الذي يعمل، يعيل نفسه ويعيل أربعة أشخاص آخرين معه. فإذا كان متوسط أجر العامل اليومي 92 شيكل، كما هو الحال في فلسطين خلال العامين الماضيين، فإن معدل نصيب الفرد يكون حوالي 18 شيكل، وهو ما يقارب حد الفقر (البالغ 2237 شيكل شهريا لعائلة مكونة من خمسة أشخاص). وكلما انخفض معدل المشاركة وارتفعت نسبة الإعالة كلما زادت معدلات الفقر. وقد بلغت في الأراضي الفلسطينية، وفق أنماط الاستهلاك الحقيقية، حوالي 31% (20.5% في الضفة الغربية و 48.2% في قطاع غزة) خلال العام الماضي.

كيف يمكن تحسين نسبة المشاركة في قوة العمل؟ هناك مجموعة من السياسات التي يمكن تبنّيها لتحسين نسبة المشاركة، من بينها تشجيع القطاع الخاص على خلق المزيد من فرص العمل من خلال توفير بيئة استثمارية وحوافز مناسبة لتعزيز قدرته على المنافسة، ودعم وتشجيع المشاريع الصغيرة من خلال تسهيل حصولها على التمويل والمساعدة اللازمين، وتحسين إنتاجية العامل (لزيادة الطلب عليه) من خلال الاستثمار في راس المال البشري وزيادة الإنفاق على التعليم، خصوصا التعليم الجامعي، وتزويد الخريجين بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل، والتركيز على تنمية رأس المال المعرفي (الابتكار والتطور التكنولوجي والريادة). كما يجب رفع مساهمة المرأة في قوة العمل عن طريق زيادة التعليم للإناث، ومن خلال التشريعات والقوانين المتعلقة بالولادة والأمومة، وتوفير أماكن رعاية للأطفال في أماكن العمل لتشجيع الأمهات لإعادة الانخراط في سوق العمل.

معدل المشاركة في قوة العمل مؤشر مهم على مدى استغلال الموارد البشرية في الاقتصاد. وفي ظل محدودية الموارد الطبيعية في الأراضي الفلسطينية وسيطرة إسرائيل على جزء كبير من تلك الموارد، يصبح الاستغلال الأمثل للموارد البشرية الفلسطينية، من خلال تحسين معدل المشاركة في قوة العمل، هدفاً يستحق الاهتمام والأولوية لمتخذ القرار الفلسطيني.

HS

المشاريع الصغيرة.. قدر أم اختيار

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏27/05‏/2012

ليس هناك تعريف محدد للمشاريع الصغيرة، فكل دولة تختار التعريف الذي يتناسب مع طبيعة اقتصادها واحتياجاتها والبيانات المتوفرة لديها. ولكن مهما كان التعريف المستخدم، فإن الغالبية الساحقة للمؤسسات العاملة في فلسطين هي مؤسسات متناهية الصغر أو صغيرة، ونسبة ضئيلة منها مؤسسات متوسطة أو كبيرة. فالبيانات تظهر أن أكثر من 90% من المنشآت العاملة في فلسطين يعمل بها 4 عمال أو أقل، وحوالي 97% منها يعمل بها أقل من عشرة عمال، بينما لا يزيد عدد المنشآت الصناعية التي يعمل بها خمسون عاملا فأكثر عن 64 منشأة، حسب تعداد المنشآت لعام 2007، عشرة منها فقط في قطاع غزة والباقي في الضفة الغربية، كما لا يتجاوز عدد المنشآت الصناعية التي توظف مائة عامل فأكثر 26 منشأة، خمسة منها في قطاع غزة والباقي في الضفة الغربية.

وقد ربط الكثيرون البيانات السابقة بالحديث عن أهمية المشاريع الصغيرة وعن مزاياها ودورها في عملية التنمية في فلسطين، وبدا الأمر وكأننا اخترنا هذه المشاريع نتيجة المزايا والفوائد التي تتمتع بها. هذه نصف الحقيقة، ولكنها لا تفسر لماذا لا يوجد سوى عدد محدود من المشاريع المتوسطة والكبيرة في الاقتصاد الفلسطيني، وهو النصف الآخر من الحقيقة.

لنبدأ بالمشاريع الصغيرة. فالدراسات النظرية والتجارب العملية تظهر بدون شك أن المشاريع الصغيرة تلعب دورا هاما في جميع الدول، وخصوصا في الدول النامية، نظرا للمزايا التي تتمتع بها. فالمشاريع الصغيرة في العادة ذات كثافة عمالية، وبالتالي فهي تساعد في توظيف أعداد كبيرة من العمال، خصوصا العمال غير المهرة، ما يساعد على الحد من مشكلة البطالة والفقر. وهي أقدر على فهم احتياجات المستهلكين وتقديم سلع وخدمات تناسب أذواقهم ودخولهم. كما أنها في العادة تستخدم موارد وخامات محلية بما يساعد على استغلال الموارد الوطنية بشكل أفضل. وهي لا تحتاج إلى رأس مال كبير لإنشائها، وبالتالي فهي تسهم في تشجيع الادخار وزيادة الاستثمار وخلق المزيد من المشاريع الابتكارية والريادية. كما تتميز المشاريع الصغيرة بالانتشار الجغرافي، وبالتالي فهي تساهم في تنمية المشاريع الريفية وتقليل التفاوت بين المناطق المختلفة، وفي توفير العديد من الفرص لبعض الفئات في المجتمع، وبالذات النساء، ما يؤدي إلى تحقيق المزيد من العدالة في توزيع الدخل والثروة. وتشير كثير من الدراسات إلى أن تكلفة خلق وظائف في المنشآت الصغيرة أقل بشكل ملحوظ (قد يصل إلى 25%) من تكلفة خلق فرص عمل في المنشآت الكبيرة.

لهذه المزايا وغيرها، ليس غريبا أن تهيمن المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر على الاقتصاد الفلسطيني. ولكن، مرة أخرى، هذا لا يفسر لماذا لا يوجد عدد كاف من المشاريع المتوسطة والكبيرة التي تتمتع أيضا بمزايا عديدة وهامة جدا. فالمشاريع الكبيرة أقدر على الصمود والبقاء من المشاريع الصغيرة التي ترتفع فيها معدلات الفشل بشكل ملحوظ. كما تستطيع المشاريع الكبيرة الحصول على موارد مالية أفضل، ما يمكنها من القيام باستثمارات كبيرة والاستفادة من وفورات الحجم. إضافة لذلك، تتميز المشاريع الكبيرة بقدرتها على استقطاب المهارات والكفاءات الإدارية المتخصصة، وبإمكانية استخدامها مكائن حديثة وتكنولوجيا متطورة، وإمكانية الاستفادة من التخصص في العمالة، والحصول على المواد الخام بتكلفة قليلة، وغير ذلك من المزايا. أي أن المشاريع الكبيرة لها أهمية لا تقل، وقد تزيد، عن أهمية المشاريع الصغيرة في بعض الأحيان. وبالتالي فإن هيمنة المشاريع الصغيرة على الصناعات الفلسطينية لا يمكن تبريرها بعدم أهمية المشاريع الكبيرة، بل لأن هناك عوامل أخرى تجعل المشاريع الكبيرة غير مجزية أو مجدية أو ممكنة، ما يثير سؤالا محوريا: ما الذي يحدد حجم المؤسسات العاملة في صناعة ما أو في اقتصاد ما؟

هناك عدد كبير من العوامل التي تحدد حجم وعدد المؤسسات في الصناعة، من أبرزها التكنولوجيا (وما يرتبط بها من تكاليف) وحجم السوق (وما يرتبط به من قوة شرائية). فعلى سبيل المثال، تتطلب طبيعة التكنولوجيا المستخدمة في إنتاج بعض السلع أن يكون المشروع كبيرا لكي يستطيع الإنتاج بتكلفة منخفضة تمكّنه من المنافسة في الأسواق المحلية أو الخارجية. السيارات مثلا، لا يمكن إنتاجها في مصانع صغيرة لأن تكلفة إنتاج السيارة تكون مرتفعة جدا إذا أنتجت بكميات قليلة، وتقل تكلفة السيارة كلما زاد حجم المصنع. ويطلق الاقتصاديون على هذه الظاهرة “وفورات الحجم”. بالمقابل، هناك بعض الصناعات التي تتطلب تكنولوجيا بسيطة، وبالتالي فإن الحجم الأمثل للمصنع (أي الحجم الذي تكون فيه تكلفة الوحدة الواحدة أقل ما يمكن) يكون صغيرا، مثل صناعة الملابس والأحذية.

أما بالنسبة لحجم السوق، فهو يعتمد بشكل رئيسي على عدد المشترين ودخولهم (القوة الشرائية). فعندما يكون عدد السكان كبيرا ودخولهم مرتفعة، فإن حجم السوق يكون كبيرا ويمكن أن يكون هناك عدد كبير من المؤسسات لإشباع هذا الطلب. بالمقابل، عندما يكون عدد المستهلكين قليلا ومستوى الدخل منخفضا، فإن حجم السوق يكون صغيرا ولن تجد كثير من المؤسسات طلبا كافيا على منتجاتها، ما يعني أن عدد المؤسسات التي يمكن أن تبقى في السوق سيكون قليلا. ولكن مع تزايد درجة الانفتاح والعولمة أصبحت الأسواق الخارجية مفتوحة في كثير من الدول، وأصبح تعريف السوق يشمل ليس فقط السوق المحلية ولكن أيضا أسواق التصدير العالمية، ما أتاح لبعض الدول الصغيرة (ذات الأسواق المحلية المحدودة) إقامة صناعات كبيرة للتصدير إلى الأسواق الخارجية، وهذا ما حدث في سنغافورة وهونغ كونغ وغيرها.

في الحالة الفلسطينية، حجم السوق صغير لأسباب مختلفة أهمها انخفاض عدد المستهلكين وتدني مستوى الدخل، إضافة إلى شرذمة السوق الفلسطينية وتقطيع أوصالها بسبب الحواجز والعراقيل الإسرائيلية وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة. كما أن الحصار الإسرائيلي وسيطرة إسرائيل على المعابر والحدود لا يسمح للمؤسسات الفلسطينية بالتصدير بصورة طبيعية، في الوقت الذي يتم فيه إغراق السوق الفلسطينية بالسلع المنافسة، ما يعني أن حجم الطلب على المنتجات المحلية محدود جدا. وبالتالي فإن الاقتصاد الفلسطيني محروم من إنشاء مصانع كبيرة، ليس لعدم أهمية أو عدم وجود مزايا للمشاريع الكبيرة، ولكن بسبب الإجراءات الإسرائيلية التي تحدّ من حجم السوق بشكل لا يسمح بوجود صناعات كبيرة تستفيد من وفورات الحجم. وبالتالي لا يتبقى أمام الاقتصاد الفلسطيني سوى الصناعات التي تكون فيها وفورات الحجم محدودة، بحيث يمكن لمصنع صغير أن ينتجها بتكلفة منخفضة، مثل مصانع الخياطة والأحذية والأثاث وما شابهها، مع بعض الاستثناءات البسيطة.

هيمنة المشاريع الصغيرة على الاقتصاد الفلسطيني إذن ليست خيارا فلسطينيا وليست قدرا لا مفر منه، ولكنها نتيجة قاسية للاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته التعسفية. والخيار الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، أمام هذا الوضع الصعب في الوقت الراهن هو جعل هذه المشاريع الصغيرة أكثر قدرة على المنافسة، ومساعدتها على مواجهة التحديات والعراقيل التي تصادفها بما يسمح لها بأن تصمد وتنافس وتنمو. وقد أظهرت الكثير من الدراسات والمسوحات التي تمت حول الاقتصاد الفلسطيني أن المشاريع الصغيرة تعاني من مجموعة من التحديات، وبالتالي فهي تحتاج إلى مساعدة في العديد من المجالات، أهمها الحصول على التمويل اللازم بتكلفة معقولة، وتطوير بنية تحتية جيدة توفر لها الخدمات اللازمة بأسعار منافسة، بما في ذلك إنشاء مدن صناعية وتجمعات عنقودية متخصصة في مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية، وكذلك المساعدة في تطوير وتحديث التكنولوجيا، وفي التدريب اللازم للعمال، وتسويق منتجات تلك المشاريع، وتقديم خدمات استشارية فنية وإدارية لها، ومعالجة المعوقات القانونية والتنظيمية، وتوفير معلومات عن السوق، وغيرها.

لست أنوي، ولا يسمح لي المجال هنا، أن أناقش أو اقترح مجموعة السياسات التي يمكن القيام بها لتحقيق هذه الأهداف، فهذا ليس موضوع مقالي اليوم وربما أعود إليه في يوم آخر، ولكن ربما يكون من المناسب اقتراح إنشاء هيئة أو مؤسسة، مستقلة أو تابعة لوزارة الاقتصاد الوطني، للاهتمام بالمشاريع الصغيرة وتطويرها ومعالجة المشاكل والعقبات التي تواجهها، وهذا هو التحدي الكبير في ظل الظروف الراهنة.

HS

ماذا حدث لمجلس التنافسية الفلسطيني؟

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏10/06‏/2012

قد لا يكون هناك تعريف محدد للتنافسية أو معيار واحد لقياسها، ولكن هناك اتفاقا كبيرا على أهميتها. فقد أظهرت الدلائل أن هناك ارتباطا قويا بين تنافسية الدولة ومستوى معيشة الأفراد في تلك الدولة، فتعزيز التنافسية يعني زيادة الإنتاجية، وهو ما يعكس كفاءة أكبر في استخدام الموارد المتاحة، وبالتالي تحقيق نمو مستدام في المديين المتوسط والبعيد، وهو ما يعني زيادة الدخل ورفع مستوى المعيشة. كما ترتبط التنافسية بالربحية، والاستثمار الأجنبي المباشر والميزان التجاري والازدهار الاقتصادي والمجتمعي، ما جعلها تحتل أولوية قصوى في الأجندة الاقتصادية لكثير من دول العالم على المستويين الكلي والجزئي. وبالتالي، ليس غريبا أن يستحوذ موضوع التنافسية على اهتمام الكثير من الباحثين والسياسيين والاقتصاديين ورجال الأعمال، وأن يحظى باهتمام كبير لدى جميع الدول، المتقدمة والنامية، والكبيرة والصغيرة. بل إنه أكثر أهمية للاقتصادات الصغيرة التي تعتمد على التجارة وعلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتوفر لها القدرة على زيادة الإنتاجية ورفع مستوى المعيشة.

وقد نشطت مؤسسات ومراكز حكومية وغير حكومية للبحث في محددات التنافسية وطرق قياسها وسبل تعزيزها، وظهرت العديد من النماذج الاقتصادية التي تربط بين التنافسية والمتغيرات الأخرى، الاقتصادية وغير الاقتصادية، كما بادرت الكثير من تلك المؤسسات والمراكز إلى تطوير مؤشرات لقياس التنافسية. وربما يكون مؤشر التنافسية العالمية الذي يصدره منتدى الاقتصاد العالمي في تقريره السنوي (تقرير التنافسية العالمية) من أشهر المعايير أو المؤشرات التي تقيس التنافسية. ويكتسب هذا المؤشر مصداقية كبيرة لأنه يقيّم مجموعة المؤسسات والسياسات والعوامل التي تحدد مستوى الإنتاجية في الدولة وتحدد مستويات الازدهار الاقتصادي الحالي وعلى المدى المتوسط، وبالتالي فهو يقيّم قدرة الدولة على توفير مستوى رفاهية مرتفع لمواطنيها. كما أنه يدمج بين متغيرات الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي، ويربط التنافسية بمحدداتها الرئيسية، وبالتالي فهو يظهر نقاط القوة والضعف في الاقتصاد، ما يجعله يمثل أداة في يد صانعي السياسات الاقتصادية لتحديد الإصلاحات المطلوبة لزيادة الإنتاجية ورفع مستويات المعيشة.

وقد أظهر تقرير التنافسية العالمية الأخير (2011–2012) معلومات مفصلة عن 142 اقتصادا، مصنفة حسب مؤشر التنافسية العالمية. وقد احتلت سويسرا وسنغافورة والسويد المراتب الأعلى في هذا التصنيف، بينما تراجعت الولايات المتحدة إلى المرتبة الخامسة بسبب الأزمة المالية الأخيرة وعدم استقرار الاقتصاد الكلي فيها. فلسطين ليست في التقرير، ولكن دولا عربية أخرى ظهرت في التقرير واحتلت مراكز متقدمة، من بينها قطر التي احتلت المرتبة الرابعة عشرة والسعودية التي احتلت المرتبة السابعة عشرة على المستوى العالمي.

استخدمت الكثير من الدول تقرير التنافسية العالمية للتعرف على نقاط القوة والضعف لديها واتخاذ السياسات المناسبة لمعالجة المشاكل التي تواجهها، وحفّزت تلك التقارير كثيرا من دول العالم لتأسيس مجالس وطنية لتعزيز التنافسية في بلدانهم. وقد تأسس أول مجلس أمريكي للتنافسية في عهد الرئيس رونالد ريغان عام 1986، إلا أن وتيرة تأسيس هذه المجالس تزايدت في الغرب بشكل ملحوظ خلال العقد المنصرم، فقد أنشأ الاتحاد الأوروبي مجلس للتنافسية في حزيران 2002، كما تم تأسيس المجلس الوطني للتنافسية في إيرلندا عام 1997، ومجلس التنافسية لدول أمريكا الشمالية (الذي يضم كندا والولايات المتحدة والمكسيك) عام 2006. وتم في نفس العام تأسيس مجالس للتنافسية في اليابان وأستراليا والفليبين وكوريا الشمالية والبرازيل وبريطانيا وغيرها. وهناك الآن الاتحاد العالمي لمجالس التنافسية الذي يضم شبكة من قيادات المجالس التنافسية حول العالم. في العالم العربي أيضا، قامت معظم الدول العربية بتأسيس مجالس للتنافسية بتسميات مختلفة، فقد أنشئ “المجلس الوطني المصري للتنافسية” في مصر عام 2004، وتم تأسيس “مجلس البحرين الوطني للتنافسية” عام 2005، و “اللجنة الكويتية الوطنية للتنافسية” عام 2005 أيضا، و “مركز التنافسية الوطني” في السعودية عام 2006، و “المرصد الوطني للتنافسية” في سوريا عام 2007، و “المجلس القطري الوطني للتنافسية” عام 2008، و “مجلس الإمارات للتنافسية” عام 2009. كما تم مؤخراً تأسيس “المجلس الوطني للتنافسية والابتكار” في الأردن في مطلع العام الحالي.

في فلسطين، جرت محاولة تأسيس مجلس وطني للتنافسية منذ فترة طويلة، وربما قبل تأسيس معظم مجالس التنافسية في المنطقة العربية. ففي العام 2006 صدر قرار من مجلس الوزراء الفلسطيني بالمصادقة على تأسيس مجلس للتنافسية كمبادرة وطنية تهدف إلى تعزيز التنافسية في الاقتصاد الفلسطيني، على أن تقوم وزارة الاقتصاد الوطني بتقديم مقترح بعضويته من الوزراء والكفاءات من القطاع الخاص. وكان من المفروض أن يتم إعداد قانون خاص بالمجلس خلال ثلاثة شهور من تاريخ القرار، لكن ذلك لم يحدث. وقد توالت الدعوات منذ ذلك الحين إلى ضرورة “الإسراع في إﻧﺠﺎز مجلس اﻟﺘﻨﺎﻓﺴﻴﺔ الفلسطيني”، وأهمية “تفعيل مجلس التنافسية” وضرورة “توفير المتطلبات القانونية والتنظيمية لقيام مجلس التنافسية الفلسطيني” وطلب “مساعدة الخبراء في تأسيس مجلس التنافسية المشترك بين القطاعين الخاص والعام”، كما تم التأكيد على أهمية “توفير مقومات إنشاء مجلس التنافسية الفلسطيني غداة استكمال برامج الإصلاحات التنظيمية والبنيوية والتشريعية”. هذه الاقتباسات هي مقتطفات من تصريحات لمسؤولين كبار حول مجلس التنافسية الفلسطيني، ولكن المجلس ظل حبرا على ورق حتى هذه اللحظة.

من الواضح أن الجميع في فلسطين يدرك ضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الفلسطيني، فقد تمت الإشارة إلى ذلك في أكثر من مكان. كما يدرك الجميع أيضا أهمية تعزيز التنافسية في فلسطين، فقد تم التغني بذلك في أكثر من زمان. ولكن لم تظهر على أرض الواقع برامج حقيقية لتعزيز التنافسية سوى بعض المحاولات المبعثرة التي تقوم بها جهات متفرقة، والتي تفتقر إلى التركيز والتماسك والتخطيط السليم. وأعتقد أن الأوان قد حان لتأسيس مجلس وطني للتنافسية في فلسطين كجزء من عملية استكمال بناء مؤسسات الدولة، ولتجميع المحاولات وتوحيد الجهود لتعزيز التنافسية في الاقتصاد الوطني، ولتحقيق تنمية مستدامة في ظل الصعاب والتهديدات التي تواجهه.

نحن بحاجة إلى مجلس للتنافسية يقوم على شراكة ممأسسة بين القطاعين العام والخاص والجامعات، وتكون من بين مهامه جمع المعلومات اللازمة من مختلف المصادر لتقييم وضع التنافسية في فلسطين ومقارنتها مع بقية دول العالم، وتحديد نقاط القوة والضعف والتعرف على الفرص والتحديات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني، ومناقشة السياسات والحلول الممكنة لتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني، واقتراح الإصلاحات اللازمة لتطوير حزمة التشريعات والقوانين والإجراءات التي تزيد من قدرة الاقتصاد على المنافسة في السوقين المحلي والخارجي، وتشجيع  الابتكار والإبداع، وتوفير بيئة استثمارية مواتية لتدفق الاستثمارات الخارجية.

وإذا كان الأفضل أن تأتي متأخرا من أن لا تأتي أبداً، فربما يكون من المناسب أن يصبح تأسيس مجلس وطني للتنافسية ضمن أولويات الحكومة الفلسطينية الجديدة، وبالذات وزارة الاقتصاد الوطني التي كلّفها قرار مجلس الوزراء السابق متابعة الأمر. فإذا كان العالم بأسره قد أدرك الحاجة إلى مجلس وطني للتنافسية، فنحن في فلسطين أحوج ما نكون إلى مثل هذا المجلس في ظل الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته وسياساته التعسفية التي تسعى إلى تدمير قدرات ومقدرات الاقتصاد الفلسطيني.

HS

 هل يتآكل رأس المال البشري الفلسطيني؟!

* نشر في ملحق جريدة الحياة الجديدة “حياة وسوق” بتاريخ ‏‏24/06‏/2012

رأس المال البشري يمثل مجموعة الطاقات والمهارات والمعرفة التي يكتسبها الفرد من خلال التعليم والتدريب والخبرة العملية، وبالتالي فإن الاستثمار في رأس المال البشري  يعني الإنفاق الفردي والمجتمعي على التعليم والتدريب والرعاية الصحية بغية تطوير قدرات ومهارات الأفراد في المجتمع.  وهي تعتبر استثماراً لأنها تدرّ عائدا يتمثل في زيادة الدخل أو في تحسن أداء الشخص طول فترة حياته العملية. ويتميز رأس المال البشري عن رأس المال الطبيعي بأنه لا يمكن فصله عن الإنسان، أي أننا لا نستطيع فصل المعرفة والصحة والمهارات والقيم الأخرى عن الشخص الذي اكتسبها، مثل ما نفعل في المباني والآلات والمعدات والمكائن وغيرها من مكونات رأس المال الطبيعي.

تراكم رأس المال البشري يعتبر أحد المحددات الرئيسية للنمو الاقتصادي، سواء في الدول النامية أو الدول المتقدمة. فزيادة رأس المال البشري، من خلال التعليم والتدريب، تعني زيادة الإنتاجية لقوة العمل وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية، وبالتالي زيادة الصادرات والتوظيف والدخل القومي، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي لسنوات عديدة. وقد أكدت الأدبيات الاقتصادية أن البلدان التي تمتلك رأس مال بشرياً مرتفعاً تحقق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة، ولعل تجربة دول شرق آسيا (أو ما يسمى “نمور آسيا”) أصدق مثال على ذلك. وبالإضافة إلى المكاسب المادية التي يكسبها الفرد والمجتمع، هناك عوائد اجتماعية وسياسية كثيرة أخرى للتعليم والاستثمار في رأس المال البشري، من بينها المكانة الاجتماعية التي يحصل عليها الفرد المتعلم، والأمن المجتمعي، وتخفيض معدلات الجريمة، وتذويب الفروق الاقتصادية والاجتماعية بين أفراد المجتمع، وتعزيز الديموقراطية، وغيرها.

وإذا كان رأس المال البشري مهماً في جميع الدول، فهو أكثر أهمية في فلسطين. فقد عانى الاقتصاد الفلسطيني، ولا يزال يعاني، من تشوهات كثيرة نتيجة الإجراءات والسياسات الإسرائيلية التي تحدّ من قدرته على النمو، خصوصا السيطرة الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة على معظم عناصر الإنتاج، وبالذات الأرض والمياه والموارد الطبيعية، إضافة إلى المعيقات العديدة أمام الاستثمار الطبيعي نتيجة القيود الإسرائيلية على حركة السلع والأفراد، وحالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي في المنطقة، والبيئة الاستثمارية غير المواتية في فلسطين. وبالتالي يصبح الاستثمار في رأس المال البشري هو الفرصة الأمثل لتحقيق ميزة تنافسية فلسطينية تسمح بتحقيق معدلات نمو معقولة وتحسن في مستوى معيشة الإنسان الفلسطيني.

وقد استثمر الفلسطينيون كثيرا في رأس المال البشري منذ عقود، وتشير معظم الدلائل إلى أن مستوى التعليم والتدريب والمهارات لدى الفلسطينيين كان، ولا يزال، أفضل من كثير من الدول المجاورة، فقد أظهر تقرير التنمية البشرية لعام 2011 الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أن معدل الإلمام بالقراءة والكتابة لدى الكبار (15 سنة فما فوق) في الأراضي الفلسطينية بلغ 94.6% من السكان، مقابل 72.9% في البلدان العربية و 80.9% على مستوى العالم ككل. كما أظهر التقرير أن نسبة الملتحقين بالتعليم العالي في الأراضي الفلسطينية بلغت 45.7%، مقارنة مع 25.8% في البلدان العربية، و 27.6% في العالم ككل، في حين بلغ متوسط عدد سنوات التعليم التي حصل عليها الأشخاص ممن في سن 25 سنة فما فوق في الأراضي الفلسطينية 8 سنوات، مقارنة مع 5.9 سنة في البلدان العربية. أما متوسط العمر المتوقع عند الولادة في الأراضي الفلسطينية فقد بلغ 72.8 سنة (مقارنة مع 70.5 سنة في البلدان العربية). هذه أخبار جيدة ومثيرة للاعتزاز، ولكن هناك بعض المؤشرات والمخاوف من تلاشي هذه الميزة النسبية للفلسطينيين. فترتيب الأراضي الفلسطينية المحتلة حسب دليل التنمية البشرية المذكور خلال العام 2011 كان 114 من بين 187 بلداً، وهو ترتيب متأخر تسبقه معظم الدول العربية باستثناء المغرب والعراق واليمن والسودان، وزيادة التعليم والصحة لم تنعكس إيجاباً على زيادة الإنتاجية ومعدلات النمو في الأراضي الفلسطينية كما تشير العديد من الدراسات، والعائد على الاستثمار في التعليم في الأراضي الفلسطينية لا يبدو مجديا ولم يتجاوز 4.3%، حسبما أظهرت إحدى الدراسات مؤخراً، وهو معدل متدنٍ مقارنة بالدول المتقدمة، ما يشير إلى عدم فروقات جوهرية في الإنتاجية والدخل نتيجة التعليم.

رأس المال البشري، مثل رأس المال الطبيعي، يتراكم إذا زاد حجم الاستثمار فيه عن قيمة الاهتلاك منه، ويتآكل إذا زادت قيمة الاهتلاك منه عن حجم الاستثمار فيه. وتسعى جميع الدول إلى تراكم وزيادة مخزونها من رأس المال البشري من خلال الاستثمار المستمر في التعليم والتدريب والبحث العلمي والتطوير والابتكار، سواء من قبل الحكومة أو الأفراد أو الشركات. في فلسطين، ما تنفقه الحكومة على التعليم، وخصوصا التعليم الجامعي، محدود للغاية بسبب الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الوطنية الفلسطينية، وما تنفقه الشركات على التدريب محدود أيضاً كما يظهر من موازنة الشركات الكبيرة المنشورة في التقارير السنوية، والإنفاق الشخصي على التعليم أقل من الإنفاق على التدخين. هذه المؤشرات تعني أن الزيادة في تراكم رأس المال البشري الفلسطيني محدودة. بالمقابل، وفي نفس الوقت، فإن جزءاً من رأس المال البشري الفلسطيني يتم استهلاكه لأسباب عديدة، بعضها طبيعي نتيجة تقاعد الأشخاص ذوي الكفاءات بسبب العمر أو العجز أو الوفاة أو انخفاض القدرات الجسمية، وبعضها نتيجة خسارة الأفراد للمهارات التي اكتسبوها أثناء دراستهم بسبب التطورات التكنولوجية السريعة، ما يجعل خبرات ومهارات هؤلاء الأفراد متقادمة ولا تتناسب مع احتياجات سوق العمل. من ناحية أخرى، فإن ارتفاع معدلات البطالة في الأراضي الفلسطينية واستمرارها لفترات طويلة يفقد الأفراد العاطلين عن العمل المهارات والكفاءات التي كانوا قد اكتسبوها أثناء دراستهم وتدريبهم. كما أن هجرة الأدمغة الفلسطينية المستمرة إلى الخليج والدول الأخرى تشكل تآكلاً في رأس المال البشري، خصوصا وأن معظم المهاجرين هم من الكفاءات الفلسطينية الماهرة التي تم استثمار الكثير من الجهد والمال في تعليمها وتدريبها. إضافة إلى ذلك، فإن تدني مستوى التعليم في الجامعات الفلسطينية والتركيز على الشهادات وعلى كمية التعليم، بدلاً من نوعية التعليم، يشكّل تآكلاً آخر في رأس المال البشري، وهو ما ينعكس على تفاقم الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل ويقلل من قيمة الشهادات العلمية ومن العائد على الاستثمار في التعليم الذي أشارت إليه بعض الدراسات التي تمت الإشارة إليها سابقا. وتتفق هذه الملاحظة مع دراسة أخرى أصدرها المعهد العربي للتخطيط في الكويت من أن الزيادة الكمية في مستويات رأس المال البشري في غالبية الاقتصادات العربية لم تؤد الى زيادة في معدلات نمو الإنتاجية والفاعلية، كما حدث في دول العالم الأخرى، معتبرة أن السبب يعود الى “تردٍ في نوعية التعليم بشكل عام، مما أدى إلى تردّي نوعية رأس المال البشري”. جميع هذه المؤشرات تثير قلقا حقيقيا بخصوص تآكل رأس المال البشري الفلسطيني.

لا يكفي أن نردد صباح مساء أن “الإنسان أغلى ما نملك” وأن “البشر هم الثروة الحقيقية لفلسطين”، ولا يكفي أن نتغنّى بالكفاءات الفلسطينية التي استطاعت أن تسهم في بناء الخليج العربي وغيره، بل يجب وضع السياسات والحوافز لتشجيع وزيادة الاستثمار في رأس المال البشري داخل فلسطين، ليس كمّاً فقط ولكن نوعاً أيضاً. يجب زيادة الإنفاق على التعليم بكافة أنواعه، وخصوصا التعليم العالي، ومساعدة الجامعات الفلسطينية على تزويد الخريجين بالمعرفة والمهارات التي يحتاجها سوق العمل، وتقديم الحوافز للشركات لتدريب العاملين لديها ولتطوير برامج تتناسب مع المعرفة والتكنولوجيا الحديثة بما يزيد من إنتاجية العامل وتنافسية الشركات، والعمل على استقطاب الكفاءات الفلسطينية المغتربة للعمل داخل فلسطين بدلاً من تشجيع هجرة الأدمغة الفلسطينية إلى الخارج. وبغير ذلك، يظل العنصر الإنتاجي الوحيد الذي نعتر به، وهو رأس المال البشري الفلسطيني، معرضا للتآكل والانكماش.