30/1/2021
توقفت عن الكتابة لعدة أسابيع لأسباب شخصية. وخلال هذه الأسابيع جرت مياه كثيرة في الأنهار. انتهى عام صعب وجاء عام لا أحد يستطيع ان يخمن كيف سيكون، ولكن المؤشرات تدل على انه لن يكون أقل صعوبة، ليس على المستوى الفلسطيني فقط ولكن على المستوى العالمي أيضا
أبرز ما أثقل به العام الماضي صدر البشرية جمعاء هو جائحة الكورونا التي قلبت كثيراً من الموازين وأربكت جميع مناحي الحياة، صحية او سياسية او اقتصادية او اجتماعية أو تكنولوجية. فقد حصدت الجائحة حياة أكثر من مليوني شخص، وأصابت أكثر من مائة مليون آخرين، وسبّبت الذعر لدى المؤسسات الصحية في جميع أنحاء المعمورة، وأشغلت الشركات الطبية ومعاهد الأبحاث والمختبرات في محاولات غير مسبوقة لتفسير ما حدث والبحث عن لقاحات وعقاقير لهذا الوباء المستجد، وامتلأت العيادات والمستشفيات بمصابي هذا الوباء، وتم تخصيص الكثير من الموارد لمواجهته أو الحد من انتشاره. وزاد الأمر استعصاء مع ظهور نسخا جديدة من الفايروس في بريطانيا وجنوب إفريقيا والبرازيل
لقد غيرت الجائحة حياة الكثيرين الذين فقدوا أحبائهم والذين لم يستطيعوا التواصل مع عائلاتهم. ولم تعد الكثير من الأنشطة التي كانت تعتبر من أيسط حقوق الإنسان، مثل زيارة الأهل وعناق الأحبة، وتناول الطعام في المطاعم، وحضور السينما أو المسرح، والمشاركة في الرياضة، وحتى ركوب الطائرة والانتقال من مدينة إلى أخرى أو من دولة إلى أخرى، لم تعد هذه النشاطات مسلّما بها كما كان الأمر سابقاً، وأصبح بعضها مغامرة تستحق إعادة التفكير فيها والتخطيط لها
كما غيرت الجائحة أسلوب الحياة بشكل سريع ومفاجئ. غيّرت اسلوب التعليم وأسلوب العمل وأسلوب التجارة وأسلوب التواصل مع الآخرين، وأصبحنا أكثر اعتمادًا على الابتكار والتكنولوجيا التي تتناغم مع هذه الاحتياجات الجديدة، وأصبحت مصطلحات “التعلم عن بعد” و “العمل عن بعد” و “الشراء والبيع عن بعد” مفردات شائعة لدى الكبير والصغير، وأسلوب حياة جديد مقبول لدى الجميع، ليس لأنه الأفضل، ولكن لأنه المتاح عملياً
وعلى المستوى السياسي، فقد أظهرت الجائحة عورات بعض الأنظمة السياسية، وأسهمت في السباق بين الدول لتحقيق مكاسب سياسية سريعة، حتى لو أدى الأمر لعمليات قرصنة للاستيلاء على أجهزة الفحص واللقاحات، أو استخدامها كجزء من حملة انتخابية بين الأطراف المتنازعة. وليس هناك شك ان الجائحة كانت من بين العوامل الرئيسية في اختفاء ترامب عن سدة الحكم في أمريكا، وربما اختفاء أو ظهور آخرين في أماكن أخرى من العالم. كما أدت الجائحة إلى تعزيز التطرف والأنانية وشعار “أنا أولا” بين الدول، فأغلقت الكثير منها حدودها مع جاراتها، وقامت الدول الغنية بشراء أضعاف احتياجاتها من اللقاحات لتطعيم مواطنيها دون أن تأبه باحتياجات وظروف الدول الفقيرة التي لا تملك الموارد أو القوة للحصول على حصة من تلك اللقاحات
كما تسببت الجائحة في كارثة اقتصادية غير مسبوقة، ربما منذ الكساد العظيم في الثلاثينات من القرن الماضي، تمثلت في التراجع الاقتصادي الكبير الذي عاشه، ولا يزال يعيشه، العالم بأسره. فقد أغلقت الكثير من مؤسسات الأعمال أبوابها، وفقد الملايين من العمال وظائفهم، وانكمش الاستثمار، وتراجعت مستويات الإنتاج والدخل في كافة الدول، وزادت معدلات الفقر ومؤشرات اللامساواة، وارتفعت مديونية الدول الفقيرة التي اضطرت لتحويل جزء كبير من مواردها المحدودة لمواجهة الجائحة
لم تنته أزمة الكورونا بالرغم من اللقاحات الكثيرة التي تم تطويرها خلال الأشهر الماضية، والتي بلا شك اشعلت بعض شموع الأمل للذين أظلمت حياتهم بسبب الجائحة. ربما يستغرق الأمر بعض الوقت لكي نخرج من هذه الأزمة، ولكن مما لا شك فيه ان الأمور لن تعود الى ما كانت عليه. لن يكون ما بعد الأزمة نفس ما كان قبلها. لقد كشفت الجائحة هشاشة بعض الأنظمة وأظهرت كثيرا من العيوب التي تعاني منها المجتمعات، صغيرها وكبيرها، غنيها وفقيرها، قريبها وبعيدها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه امام الجميع هو: هل نحن مستعدون لتعلم الدروس التي فرضتها هذه الجائحة، أم سوف ننسى بعد قليل ونعود لارتكاب نفس الأخطاء (والخطايا) التي كنا نمارسها سابقاً، والتي لا نزال نمارس بعضها إلى اليوم؟ هل نتعلم كيف نستثمر في الصحة ومكافحة الأمراض والأوبئة بدلا من الاستثمار في السلاح وأدوات الدمار؟ هل نتعلم أن الفلوس يمكن أن تشتري الدواء والطعام ولكنها لا تستطيع شراء الصحة والسعادة وراحة البال؟ هل نتعلم كيف نهتم بالآخرين ونقيم علاقات التعاون والاحترام معهم بدلاً من ممارسة العنصرية والتسلط والسيطرة؟ هل ندرك أن الجائحة تهدد جميع الدول وأن مواجهتها تحتاج إلى تعاون وتكاتف جميع الدول أيضا؟ هل نتعلم الدرس الكبير الذي أفرزه جائحة الكورونا بأن لا أحد سيكون سالماً إذا لم يكن الآخرون سالمين؟ أسئلة كثيرة ودروس كبيرة سوف تظهر الأيام القادمة مدى استيعابنا لها